الملاحظات

منــتـــدى الأخبار السياسية والعامة يعنى بآخر الأخبار السياسية والعامة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 23-02-2013, 06:55 PM رقم المشاركة : 65
معلومات العضو
kumait
عضو برونزي

الصورة الرمزية kumait

افتراضي تداعيات الإستراتيجيات الإقليمية على الداخل الأذربيجاني


تقع أذربيجان على تخوم الشرق والغرب، أو بين العالمين السُّني والشيعي، وبين العالمين الإسلامي والمسيحي،
وتتصف بوضع داخلي معقد قد يمزق المجتمع الأذربيجاني في بعض الاحتمالات، بين القيم العلمانية والإسلامية (الجزيرة)

تداعيات الإستراتيجيات الإقليمية على الداخل الأذربيجاني (1)
د. رسلان قوربانوف

تهدف هذه الدراسة إلى قراءة الوضع الأذربيجاني الداخلي وما يحمله من تعدد عرقي وطائفي في ظل حكم علماني صارم، وما يمكن أن ينعكس عليه من تداعيات سياسية من قبل دول الجوار، لاسيما وأن هذه الأخيرة تعتمد إستراتيجيات إقليمية متعارضة ومتنافسة في الغالب وتقع أذربيجان بموقعها الجغرافي والجيوسياسي في وسطها أحيانًا.

وتحقيقًا لهذه الغاية ولأسباب تتعلق بالنشر، تم تقسيم الدراسة إلى قسمين: أحدهما يتعلق بالوضع الأذربيجاني الداخلي وما يختزنه من تنوع يصل أحيانًا حد التناقض بفعل سياسات السلطة الحاكمة، وآخر يرصد علاقات أذربيجان بدول الجوار وما تشهده من اتفاق واختلاف، وما تخلفه من تداعيات على الكيان الأذربيجاني.

القسم الأول:الداخل الأذربيجاني، سلطة حديدية ونسيج هش

تحتل أذربيجان في السياسة العالمية موقعًا فريدًا من نوعه بسبب موقعها الجغرافي على تخوم الشرق والغرب، أو بين العالمين السُّني والشيعي، وبين العالمين الإسلامي والمسيحي، وكذلك بسبب فرادة مكانتها ودورها في السياسة العالمية الذي يؤكده تنافس كبار اللاعبين السياسيين في العالم الحديث للتأثير عليها، كالولايات المتحدة وأوروبا وروسيا وإيران وتركيا والعالم العربي وإسرائيل.

وهناك عديد من الأمور التي تعوق تنفيذ إستراتيجيات أذربيجان السياسية الداخلية والخارجية أو تخلق توترات داخل البلاد أو في محيطها، منها وضع أذربيجان الداخلي المعقد للغاية الذي يمزق المجتمع الأذربيجاني بين القيم العلمانية والإسلامية، بين الإسلام السني والشيعي، بين الاستبداد والمعارضة الوليدة، بين القومية الأذربيجانية وقومية الأقليات العرقية.

علاوة على ذلك، يبدي كثير من الخبراء قلقا من إمكانية انتقال ما يوصف بموجة "الربيع العربي الثورية" إلى بلدان الاتحاد السوفيتي السابق، وأولها أذربيجان؛ حيث إن الجمهوريات السوفيتية السابقة مرت بعدة مراحل من التحول الليبرالي والديمقراطي، ومن المتوقع أن تُتوَّج بمرحلة نهائية مستوحاة من الربيع العربي. أما المرحلة الأولى فقد كانت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1991 وأدت إلى استقلال الجمهوريات السوفيتية السابقة، وتمثلت "المرحلة الثانية بموجة الثورات الملونة في عدد من جمهوريات الاتحاد السوفيتي، مثل: جورجيا (2003) وأوكرانيا (2004) وقيرغيزستان (2005)؛ حيث أزاحت المعارضة القيادات السوفيتية السابقة وتولت السلطة. والآن، يتوقع بعض الخبراء أن المرحلة الثالثة من التحول الليبرالي يمكن أن تمر بها بعض بلدان الاتحاد السوفيتي السابق مع الموجة الثورية القادمة من العالم العربي. وأول دولة مدونة في هذه القائمة هي أذربيجان.

الوضع الداخلي في أذربيجان

في حديثه عن دور أذربيجان في الشؤون العالمية، كتب سيرغي ماركيدونوف، وهو زميل زائر في المركز الأميركي للدراسات الإستراتيجية والدولية ما يلي "تحظى أذربيجان باهتمام دولي أكبر بسبب مواردها من النفط والغاز والأهمية المتزايدة لمنطقة بحر قزوين عمومًا كمصدر بديل للطاقة في السوق الأوروبية. وبما أن أذربيجان تقع عند تقاطع مصالح عددٍ من البلدان، فهذا يتطلب أن تكون سياستها الخارجية دقيقة ومرنة. فأذربيجان حلقة وصل مهمة في منطقة بحر قزوين بين جنوب القوقاز وآسيا الوسطى، وتحتل مكانةً مهمة في السياسة الخارجية للبلدان المجاورة".

كما يستشهدبقول المحلل السياسي الأميركي زبيغنيو بريجنسكي الذي وصف أذربيجان بأنها «سدادة الفلين في جرّة تحتوي على ثروات حوض بحر قزوين وآسيا الوسطى. تستطيع أذربيجان المستقلة، والناطقة بالتركية، أن تمنع روسيا من ممارسة احتكار الوصول إلى المنطقة، وبالتالي تستطيع أن تحرم روسيا من ممارسة نفوذ سياسي حاسم في سياسات الدول الجديدة في آسيا الوسطى".

تشكّل أذربيجان، في الواقع، جزءًا مهمًا لا يتجزأ من سلسلة الحزام الطوراني أو التركي الذي يمتد من منطقة شينجيانغ (تركستان الشرقية) إلى بحر مرمرة. ويبلغ عدد سكان هذا الحزام نحو 150 مليون نسمة، ويُعد عاملاً إستراتيجيًا في أوراسيا. يقول المفكر السياسي الروسي حيدر جمال: إن "أذربيجان بمثابة مفصل بين الشرق والغرب في السلسلة الطورانية. وهذا الحزام، بسبب موارده الثقافية وموقعه، قد يؤثر في الشرق الأوسط وشمال القوقاز وآسيا الصغرى وآسيا الوسطى في آن واحد".

إن قيام دولة أذربيجان المعاصرة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي يَخْلِف بالمعنى السياسي جمهورية أذربيجان الديمقراطية التي أُعلنت في 28 مايو/أيار 1918 قبل تأسيس السلطة السوفيتية فيها.

يُذكِّرنا سيرغي ماركيدونو أنه قد مضت إحدى وعشرون سنة حتى الآن على "استعادة" الدولة الأذربيجانية، وهذا يدل على فعاليتها وقابليتها للحياة. وقد أثبتت أذربيجان بعد استقلالها عن الاتحاد السوفيتي، والتي تلعب دورًا كبيرًا في جنوب القوقاز والشرق الأوسط، أنها ليست لاعبًا جيوسياسيًا ضعيفًا أو عالةً على غيرها. علاوةً على ذلك، هي الدولة الوحيدة في رابطة الدول المستقلة التي تنتهج سياسة خارجية متنوعة ناجحة. يتابع ماركيدونو، "اتباعًا لمبدأ (ليس لدينا أصدقاء ولا أعداء، ولكن مصالح فقط) أجبرت باكو معظم الدول القوية على السعي إلى مصادقة هذه الدولة الصغيرة. فرغم الصعوبات الجسام، عرفت أذربيجان كيف تحافظ على علاقاتها مع كبار اللاعبين الدوليين. فبخلاف تبليسي، أصبحت باكو (واحدًا منّا) في نظر مختلف عواصم القوى العالمية.

النظام السياسي

تقول أذربيجان عن نفسها رسميًا إنها دولةُ قانونٍ ديمقراطيةٌ ذات حكم جمهوري. لكنها في واقع الأمر دولة ذات نظام استبدادي وتحتل المرتبة 140، وفقًا لمؤشر الديمقراطية في العالم لعام 2011 الذي أعدته وحدة المعلومات الاقتصادية.

رأس الدولة هو رئيس الجمهورية وهو المنصب الذي استُحدِث سنة 1991، وينتخب بالاقتراع السري لولاية دستورية مدتها 5 سنوات، على ألا تزيد على ولايتين. في عام 2009، وبعد عام من انتخاب الرئيس الحالي إلهام علييف لولاية ثانية في أذربيجان، أدى استفتاء حول تعديل الدستور إلى إلغاء تحديد فترة الرئاسة بولايتين، وهذا منح إلهام علييف الحق في الترشح للرئاسة عددًا غير محدود من المرات.

تتألف الهيئة التشريعية العليا، أو البرلمان الذي يُسمى المجلس المِلّي، من 125 عضوًا ويُنتخب لمدة 5 سنوات. يُنتخَب البرلمان على أساس الأغلبية والنظم الانتخابية النسبية، وأعلى هيئة تنفيذية هي مجلس الوزراء الذي يعينه رئيس الجمهورية ويوافق عليه المجلس المِلّي.

تتكون أذربيجان من 59 منطقة، ومن جمهوريتين تتمتعان بالحكم الذاتي، هما ناخيتشيفان وناغورنو كرباخ. ولكن ناغورنو كرباخ لا تخضع لسلطة باكو منذ ما يقرب من 20 عامًا، وتعتبرها السلطات الأذربيجانية محتلةً من الانفصاليين الأرمن.

بخلاف بلدان السوق الأوروبية المشتركة ذات الأحزاب القوية المتعددة، لا توجد في أذربيجان إلا أعداد كبيرة من الأحزاب الضعيفة التي يهيمن عليها الحزب الحاكم، ولا توجد عمليًا في البلاد منافسة حزبية حقيقية. لهذا السبب ليست المواقف الأيديولوجية للأحزاب هي من تلعب الدور الأكبر في الحياة السياسية في أذربيجان، بل الأشخاص الذين يقودونها. ومع ذلك، يعتقد الخبراء أنه يمكن اعتبار أن المرحلة الأولى من تشكيل الأحزاب السياسية في أذربيجان قد انتهت.

حزب أذربيجان الجديدة هو الحزب السياسي الحاكم الموالي للرئيس في أذربيجان، ورئيس الحزب هو رئيس البلاد إلهام علييف. يبلغ عدد المنتسبين للحزب، وفقًا للبيانات الرسمية، نحو 600 ألف عضو، وهو يلعب دورًا مهيمنًا في الحياة السياسية للبلاد. يحظى حزب أذربيجان الجديدة بالأغلبية المطلقة في المجلس الملي، وصار ركيزة سياسية صلبة وموثوقة للنظام الحالي. يهيمن على الحزب ممثلو منطقة ناخيتشيفان، وهمُّهم الأكبر هو البقاء في السلطة وخلق الظروف الاقتصادية والسياسية المواتية للقيادة السياسية. أما التوجُّه الأيديولوجي فهو أقرب إلى الليبرالية الديمقراطية؛ أو على الأقل، هذا ما يعلنه الحزب رسميًا.

أكبر أحزاب أذربيجان هو حزب المساواة، وهو أقدمها، وجبهة أذربيجان الشعبية وحزب أذربيجان الليبرالي وحزب أذربيجان الشيوعي، وحزب أذربيجان الإسلامي المحظور لكنه قائمٌ بصورة غير قانونية وهو لا يُخفي تعاطفه مع إيران.

السلطة والمعارضة

طبيعة النخبة السياسية ليست حزبية بل عشائرية، وينتمي رئيس أذربيجان، إلهام علييف ووالده حيدر علييف، رئيس أذربيجان السابق إلى عشيرة ناخيتشيفان وهي من عشائر الأكراد، وقد أحاط الرئيسان نفسيهما بشخصيات كردية. منهم، بحسب المحلل آرثر بهيرو، رَوْنق عبد الله ييف المدير العام لشركة النفط الحكومية لجمهورية أذربيجان، وعبد الباري غزال رئيس شركة شمس أذربيجان وهي أكبر شركة متعددة التخصصات في أذربيجان، وحاجِبالا أبوطالبو رئيس بلدية باكو، وبايليار أيوبو مدير الأمن الشخصي لعلييف، وعارف علي شانو مدير الهيئة الحكومية للإذاعة والتلفزيون وغيرهم.

عملت السلطات الأذربيجانية في السنوات الأخيرة، على إعادة توطين الأكراد في مناطق أخرى غير مناطقهم الأصلية وبأعداد كبيرة، ومؤخرا تم نقل حوالي 60 ألف كردي ما أثار ردة فعل عنيفة في الجمهورية. ويرى الخبراء أن الهدف من إعادة توطين الأكراد هو رغبة الرئيس علييف بتعزيز سلطته بقوة إضافية.

لهذا يقول المحلل الأرمني هرانت مَلِكْشاه نَظاريان: إن رئيس أذربيجان ذا الأصول الكردية يريد بهذه الطريقة تعزيز نفوذه في المناطق المأهولة بالسكان الأذريين في الجمهورية. ولذلك تنتظر العشائر السياسية الأخرى، التي أزاحها آل علييف من السلطة، اللحظة المناسبة للانتقام.

شهدت العاصمة الأذربيجانية باكو في العام الماضي أكبر مظاهرات خلال السنوات الست الماضية، على سبيل المثال، حشد ائتلاف المعارضة الجديد، المُسمّى الحركة المدنية من أجل الديمقراطية (المجلس العمومي) في إبريل/نيسان الماضي، عشرة آلاف شخص لحضور اجتماع المعارضة في باكو.

وطالب أعضاء هذه الحركة أن تُجري السلطات انتخاباتٍ برلمانية غير عادية، وتطلق سراح المعتقلين السياسيين، وتضع حدًا للفساد، وتحل مشكلة منطقة ناغورنو كرباخ الأذربيجانية التي أعلنت استقلالها عن باكو عام 1991. وقد ردد المجتمعون شعارات مثل: "يسقط نظام علييف!" و"الحرية للسجناء، والسجن للمختلسين!".

ورأى علي كريملي، زعيم حزب الجبهة الشعبية المعارض، أن هذ الاجتماع "هو أول اجتماع تسمح به السلطات رسميًا خلال السنوات السبع الماضية. وخلال كل هذه السنوات حاول النظام خنق المعارضة لكنه فشل رغم حظر الاجتماعات وقتل الصحفيين". ووعد أن المعارضة ستحشد 100 ألف شخص للاجتماع القادم.

إن المجتمع الأذربيجاني قابل للانفجار في أية لحظة نتيجة الجور الذي لحق بالناس جَرّاء السياسات الحكومية البيروقراطية التي صارت أكثر وضوحًا في مارس/آذار الماضي؛ ففي قوبا، وهي من المناطق الشمالية في أذربيجان التي تسكنها العرقية اللِزْجية غير الأذرية، نظّم السكان المحليون مسيرات جماهيرية ضد مزاعم فساد اقترفه أحد المسؤولين في المنطقة، مما أجبر الحكومة على إرسال الجيش ووحدات إضافية من الشرطة.

خلال تلك الاضطرابات، احتشد أكثر من عشرة آلاف شخص في شوارع قوبا. ثم حاول جزء كبير من المتظاهرين اقتحام بيت مدير المنطقة والمباني الإدارية الأخرى. وبعد سلسلة من الحرائق المفتعلة والقتل، بدأت الشرطة في استخدام الغاز المسيل للدموع واعتقال قادة المتظاهرين. ولم ينصرف المتظاهرون إلا بعد إعفاء مدير منطقة قوبا من منصبه والإفراج عن جميع المعتقلين.

المجموعات العلمانية والدينية والعرقية

أذربيجان دولة علمانية تعلن التزامها بالمبادئ الديمقراطية، ويقول المتخصص في الشؤون الأذربيجانية بيرم بالدجي في هذا الشأن: إن طبيعة المجتمع الأذربيجاني العلماني الحديث سهّلت غزو روسيا للجزء الشمالي من أذربيجان في أوائل القرن التاسع عشر، بينما ظل جزءها الجنوبي تابعًا لإيران.

لم يكن يفصل أذربيجان الروسية عن أذربيجان الإيرانية إلا نهر الأراكس، لكنهما كانا عالمين مختلفين تمامًا؛ حيث راحت أذربيجان الشمالية الروسية تتخذ طابعًا علمانيًا سريعًا، وفي العهد السوفيتي قُمِع الإسلام في أذربيجان قمعًا شديدًا.

ثم عاد الدين إلى الحياة العامة بعد أن نالت أذربيجان استقلالها عام 1991. ومع أن السلطات الأذربيجانية تضمن للمؤمنين حرية نسبية، إلا أن الدولة تُحكم قبضتها على الدين، كما ترفض الأصولية الإسلامية رفضًا قاطعًا؛ ففي عام 1995، على سبيل المثال، مُنِع الحزب الإسلامي في أذربيجان من التسجيل للمرة الثانية. وفي مايو/أيار 1996، ألقي القبض على قادته، وفي عام 1997 أُدين هؤلاء بالتعاون مع المخابرات الإيرانية الخاصة.

وقد اشتكى عاكف غيدرلي من الحزب الإسلامي المحظور قائلاً: إن الحكومة الأذربيجانية تعزز تعاونها مع إسرائيل، وتمول بناء المعابد اليهودية الجديدة، لكنها في الوقت نفسه تُغلق المساجد، وتحظر ارتداء الحجاب في المدارس. وذكر موقع شبكة OnIslam.net أنه في العام الماضي أمرت الحكومة جميع موظفي الدولة بإزالة كافة الرموز ذات الصلة بالإسلام -مثل الآيات القرآنية- من مكاتبهم. ولكن يؤكد النشطاء أن أهم دليل على حملة الحكومة ضد الدين الإسلامي هو حظر ارتداء الحجاب في المؤسسات الرسمية والكليات والمدارس والجامعات الحكومية. وكان هذا الإجراء قد أغضب العديد من المسلمين الذين نزلوا إلى الشوارع احتجاجًا على ذلك.

ينتمي أكثر من نصف سكان أذربيجان إلى المذهب الشيعي. وبحسب بالدجي فإن أذربيجان أصبحت ذات أغلبية شيعية في القرن السادس عشر بعد أن جعل الشاه إسماعيل الصفوي المذهب الشيعي دين الدولة في إيران.

لكن علينا ألا نبالغ في "نقاء" إيمان الأذربيجانيين؛ فنتيجة للصراع منذ قرون بين إيران الشيعية والسلطنة العثمانية السنية على منطقة القوقاز، أصبحت المنطقة غير متجانسة إلى أبعد الحدود من ناحية الدين؛ فرغم عهود الصراع من أجل الهيمنة، ظل المذهبان السني والشيعي في الواقع يتعايشان في هذه المنطقة، وظلت الغالبية السنية، تاريخيًا، تستوطن شمال أذربيجان كما نعرفها اليوم.

يمثل الشيعة نحو 60-65 في المئة من مسلمي أذربيجان، بينما يمثل السُّنة ما بين 35-40?. ومع ذلك، توسِّع الهيئات الحكومية الأذربيجانية عمدًا نفوذ الشيعة في البلاد. على سبيل المثال، يقول الخبير الداغستاني رسلان جِريـف: إن السلطات الأذربيجانية تُحابي الأوساط والمنظمات الشيعية بشتى الوسائل في حين تقيد نشاط الأوساط والمنظمات السنية. ومن ذلك أن مساجد السنة أُغلقت في البلاد قبل عدة سنوات، وسمى بعض الخبراء تلك الأحداث بـ"حملة القمع الشاملة على المساجد السنية" في أذربيجان. وعلى سبيل المثال أيضًا، جرى إغلاق مسجد أبي بكر في صيف عام 2008، وهو من أكبر المساجد، بزعم أنه "مسجد للوهابية" وفقًا للمسؤولين والشرطة. كما أُغلق مسجد الشهداء التركي في أوائل عام 2009 بدعوى "إعادة البناء" وفقًا للرواية الرسمية، ثم تلاه إغلاق مسجد آخر في مدينة غيانجا، إلا أن محاولة إغلاق مسجد الإلهيات قد أُوقِفت بعد تدخل السفارة التركية.

علاوة على ذلك، لا تكلّ السلطات من استهداف تحفة المركز التاريخي لمدينة باكو القديمة -مسجد أهل السنّة المعروف باسم مسجد لِزجي- الذي بُني في القرن الثاني عشر، والذي أضافته منظمة اليونسكو سنة 2000 إلى قائمة التراث الثقافي العالمي.

ويترافق هذا مع حملة قمعٍ متزايدة للشرطة على النشطاء المسلمين في المناطق الشمالية من أذربيجان التي يقطنها السكان الداغستانيون السُّنة (اللِّزجيون والآـار والتساحور)، وقد أفاض الخبراء خلال مؤتمر يونيو/حزيران في موسكو حول حقوق الشعب اللِّزْجي والآ?ـاري، في الحديث عن الوجود المكثف للجيش في المناطق السنية في أذربيجان.

يتحدث الخبير الداغستاني علي خان عمرانو عن عمليات دورية تقوم بها أجهزة المخابرات الأذربيجانية في المناطق الشمالية من البلاد التي يقطنها السنة، وعن اعتقال المسلمين السنة بتهمة حمل السلاح والتخطيط لهجمات إرهابية. وبحسب قوله، تُمارَس أشد أنواع القمع ضد الأوساط السنية الموالية لداغستان؛ حيث يتهمهم قادة الشيعة في هيئة المسلمين الروحية الرسمية باتباع "الإسلام الوهابي"، وتنظيم جماعات سرية متطرفة، والإعداد لهجمات إرهابية ضد السلطات . وعلى هذه الخلفية، يزداد الانتقاد لسياسة باكو تجاه الأقليات العرقية والدينية صرامةً. والحقيقة هي أن البلاد ليست موطنًا فقط للأكثرية الأذربيجانية الناطقة بالتركية بل أيضًا للأقليات العرقية الأخرى من أهل البلاد: مثل الطاليش الناطقين بالفارسية في المنطقة المتاخمة لإيران، والشعب الداغستاني مثل اللِّزجيين والآفـار والتساحور، وغيرهم في الجزء الشمالي من البلاد.

وتتعرض الإدارة الأذربيجانية للنقد واللوم لانتهاجها سياسةً مغرضةً تهدف إلى ابتلاع الأقليات العرقية، وحظر استخدام اللغات الأصلية في الإدارات الحكومية، وتزوير تاريخ الأقليات العرقية، والتضييق عليها في إنشاء منظمات ووسائل إعلام وطنية، واعتقال النشطاء الوطنيين وقتلهم، وهلم جرّا.






التوقيع



يحتاج الإنسان إلى سنتين ليتعلم الكلام وخمسين ليتعلم الصمت
إرنست همنغواي
رد مع اقتباس
قديم 23-02-2013, 07:01 PM رقم المشاركة : 66
معلومات العضو
kumait
عضو برونزي

الصورة الرمزية kumait

افتراضي تداعيات الإستراتيجيات الإقليمية على الداخل الأذربيجاني (2)



تداعيات الإستراتيجيات الإقليمية على الداخل الأذربيجاني (2)

تناول القسم الأول من الدراسة الوضع الأذربيجاني الداخلي وما يحمله من تعدد عرقي وطائفي في ظل حكم علماني صارم.
ويليه هذا القسم وهو الثاني والأخير منه، ويبحث "علاقة أذربيجان بمحيطها الإقليمي وتداعياته".

علاقة أذربيجان بمحيطها الإقليمي وتداعياته

يبحث التقرير في علاقة أذربيجان بدول الجوار وما تشهده من اتفاق واختلاف، وما قد تخلّفه من تداعيات محتملة على الكيان الأذربيجاني الذي يقع في خضم إستراتيجيات إقليمية متعارضة ومتنافسة في غالب الأحيان.

روسيا ومحاولة الاحتفاظ بالنفوذ

يعود الفضل لروسيا في ظهور أذربيجان جمهوريةً مستقلة ذات اسم عصري وحدود ومكانة؛ فعلى مدى مئتي السنة الماضية، كان لروسيا أكبر الأثر في طبيعة المجتمع الأذربيجاني. ولا تزال موسكو ترغب في إبقاء أذربيجان ضمن دائرة نفوذها. يرى سيرغي ماركيدونوف الباحث المتخصص في شؤون القوقاز والأمن الاقليمي أن موسكو وباكو تختلفان أساسًا في نظرتهما إلى "اللعبة الكبيرة" في جنوب القوقاز، ولكن تُبدي أذربيجان التزامَها ببناء علاقات جوار متينة مع روسيا، وهي تحتاج إلى حضور هذه الأخيرة الفعلي (وليس فقط الرسمي) في شمال القوقاز. بالمقابل، ترغب موسكو في الاحتفاظ بعلاقات وثيقة مع أذربيجان ومساعدتها في التنمية المستدامة. كما أن العامل الأذربيجاني يلعب دورًا في سياسة روسيا الداخلية واقتصادها. فوفقًا لتقديرات رسلان غِنْبيرغ، مدير معهد الاقتصاد في أكاديمية العلوم الروسية، تتراوح قيمة التحويلات الخاصة المحولة من روسيا إلى أذربيجان ما بين 1,8 إلى 2,4 مليار دولار سنويًا.

يقول ماركيدونوف: إن تقدير روسيا العالي لأذربيجان يرجع إلى حد كبير إلى كون الأخيرة منعت في نوفمبر/تشرين الثاني 2005 موجة الثورات "الملونة" في رابطة الدول المستقلة. لكن على عكس أرمينيا، لم تصل جمهورية أذربيجان المستقلة مستوى عاليًا من التعاون مع روسيا، وخاصة في المجالين العسكري والسياسي. وعلى عكس أرمينيا أيضًا، ليست أذربيجان عضوًا في الجماعة الاقتصادية الأوروبية الآسيوية أو منظمة معاهدة الأمن الجماعي.

أصبحت أذربيجان عضوًا في منظمة جوام (جورجيا وأوكرانيا وأذربيجان ومولدوفا) التي توصف أحيانًا بعدائها لرابطة الدول المستقلة وبأنها الثقل الموازن للنفوذ الروسي في الجمهوريات السوفيتية السابقة. لكن موسكو وباكو، وفقًا لتقديرات ماركيدونوف، لهما مواقف متضاربة حول التحالف الإستراتيجي بين روسيا وأرمينيا، وهذا التحالف هو الذي حدا بأذربيجان للانضمام إلى جوام بدلاً من منظمة معاهدة الأمن الجماعي؛ فباكو ترى أن الوجود العسكري الروسي في أرمينيا (وخاصةً بعد سحب القوات الروسية من جورجيا ونشرها في أرمينيا) سببٌ لاحتمال تصعيد الصراع بين أرمينيا وأذربيجان.

كما أن باكو ترى أن سياسة روسيا التي تحابي أرمينيا بشكل مفرِط ولا تعرف التنوع في جنوب القوقاز هي أكبر خطأ ترتكبه موسكو في المنطقة. أما أكبر خطأ ارتكبته أذربيجان بالنسبة لروسيا فهو اتصالاتها السياسية في أوائل العقد الأول من القرن الحالي مع الانفصاليين الشيشان. على هذه الخلفية، راحت أذربيجان "تنتهج سياسة غير ودية تجاه أقرب جار لها"؛ فعلى سبيل المثال، رفعت باكو في الآونة الأخيرة سعر تأجير محطة رادار قابالا الروسية في شمالي أذربيجان من 7 ملايين إلى 300 مليون دولار سنويًا. عدَّت موسكو هذا القرار الذي خيّب أمل الكرملين دلالةً على رغبة باكو في عدم تأجير محطة الرادار، وعلاوةً على ذلك تراقب موسكو باهتمام بالغ سياسة أذربيجان تجاه الأقليات العرقية، وخاصةً الشعب الداغستاني.

في نوفمبر/تشرين الثاني من هذا العام، أعدت وسائل الإعلام الأذربيجانية سلسلة من المواد التي تصب في مصلحة تدهور العلاقات بين باكو وموسكو؛ حيث زعمت هذه الوسائل أن الكرملين يعتزم استخدام الأذربيجانيين الروس والأقليات العرقية في أذربيجان ضد السلطات الرسمية في أذربيجان.

ويرى المحلل السياسي الأذربيجاني وفاء غولو زاده علاقة مباشرة بين النشاط المتزايد للأقليات العرقية في أذربيجان والاستخبارات الروسية الخاصة؛ حيث يقول حرفيًا: "من الواضح أن الكثيرين في باكو يخشون أن تجرّب روسيا في أذربيجان ذات السيناريو الذي نجح نسبيًا في جورجيا، أي أنها ستدعم تمرد الأقليات العرقية ضد الحكومة في البلاد".

لكن الوضع في حالة أذربيجان أكثر تعقيدا من جورجيا، فأذربيجان لديها احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، وعلى سلوكها يعتمد الكثير في المنطقة. ومن ناحية أخرى يقول غولو زاده: "أذربيجان دولة ضعيفة للغاية بالمقارنة مع روسيا، وتستطيع الأخيرة أن تفعل ما تشاء، وبما أن أرمينيا مستعمرة روسية، فإن أذربيجان تقف عاجزة إزاء أرمينيا". وهو يرى أن روسيا لم تستطع حتى الآن أن تتقبل استقلال أذربيجان، لذا فهي تحاول بكل الوسائل أن تستعيد مصداقيتها هنا.

الخلاف مع أرمينيا والعسكرة

تعود جذور التوترات بين أذربيجان وأرمينيا الحديثتين إلى أعماق التاريخ. وحين انهار الاتحاد السوفيتي، تمردت الأغلبية الأرمنية في إقليم ناغورنو كراباخ -الذي يتمتع بحكم ذاتي في أذربيجان- على باكو، وأعلنت الاستقلال. دعمت أرمينيا الانفصاليين الأرمن في ناغورنو كرباخ، وقدمت موسكو مساعدات هائلة لأرمينيا. هُزِمت باكو في بداية الحرب مع الانفصاليين، وانتقلت بعض مناطق أذربيجان المجاورة لإقليم ناغورنو كرباخ إلى سيطرة الأرمن. لذلك فإن المشكلة رقم واحد بالنسبة إلى جمهورية أذربيجان المستقلة هي وحدة أراضيها. ومن سمات التطورات الداخلية والخارجية في أذربيجان منذ بداية تسعينيات القرن العشرين فقدان ناغورنو كرباخ.

أصبحت الهزيمة العسكرية وفقدان السيادة على هذا الإقليم من العوامل التي لها أثر كبير في هوية الأذربيجانيين؛ حيث صارت صورة الدولة الخاضعة "للعدوان العسكري" الآتي من بلد مجاور من الثوابت الأيديولوجية في أذربيجان. إن خطاب أذربيجان العسكري والخوف من الأرمن المزروع زرعًا يقودان هذا البلد إلى طريق مسدود وإلى مواجهة عسكرية وشيكة مع أرمينيا.

في هذه الظروف تتسلط الأضواء على المشكلات الداخلية لأن النجاحات العسكرية لأرمن ناغورنو كرباخ قد تؤدي إلى انتفاضة الشعوب الأصلية في أذربيجان ضد باكو. لذلك، منذ فقدان ناغورنو كرباخ وأذربيجان تبني قوتها العسكرية. والدليل على ذلك هو ازدياد الإنفاق العسكري للبلاد على نحو غير مسبوق. يقول المحلل العسكري الروسي ?ـلاديمير موخين: إن إجمالي إنفاق أذربيجان العسكري ارتفع خلال سنة واحدة (2010 إلى 2011) من 1,59 مليار دولار (3,95% من إجمالي الناتج المحلي) إلى 3,1 مليار دولار (6,2? من إجمالي الناتج المحلي) .

تركيا وشِقاق الأشقاء

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، اختارت أذربيجان تركيا شريكًا إستراتيجيًا لها. ويمكننا تلخيص العلاقات بين هذين البلدين على مرِّ الزمن بشعار "شعب واحد في بلدين"، وهو الشعار المفضل لدى قادة كل من تركيا وأذربيجان بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. وبالفعل يتكلم الناس في تركيا وأذربيجان لغة واحدة، ولهم تاريخ واحد وثقافة واحدة.

خلال النزاع بين أرمينيا وأذربيجان حول إقليم ناغورنو كرباخ (1991-1994)، قدمت أنقرة العون لباكو وأغلقت الحدود مع أرمينيا عام 1993، لكن لم يكن هناك تدخل عسكري تركي واسع النطاق في أرمينيا. وفي بدايات العقد الأول من القرن الحالي، عملت تركيا لصالح أذربيجان في منظمة حلف شمال الأطلسي، ودعمت باكو في نزاعاتها مع طهران على بحر قزوين. حاولت كل من تركيا وأذربيجان على مدى سنوات أن تقدم علاقاتهما لجميع البلدان الأخرى على أنها تحالف إستراتيجي، وبموجب هذا التحالف هناك أساس متين من التعاون الاقتصادي الواسع بين البلدين.

تقول وسائل الإعلام الإقليمية: إنه خلال 10 سنوات ارتفع العائد التجاري والاقتصادي لكلا البلدين من 1 إلى 3,5 مليارات دولار، وسيرتفع إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2015. وهناك مشروع طموح جدًا يتحقق الآن في مجال الطاقة، وهو خط غاز الأناضول. ولكن الأساس الاقتصادي وحده لا يكفي. ومن الواضح أن هذين البلدين الشقيقين لم يستطيعا ولمدة طويلة أن يتفقا على قضايا أساسية جدًّا، وهذا ما يُعرقل رفع علاقاتهما إلى مستوى إستراتيجي جديد.

يقول آرتيم إركنيان: إن الدولتين لم تتمكنا حتى الآن من الاتفاق على إلغاء نظام التأشيرات. ومع أن أنقرة منذ فترة طويلة مستعدة لإلغاء تأشيرات الدخول، إلا أن باكو تؤجل البت في هذه المسألة. ما تخشاه باكو هو أن إلغاء التأشيرات سيسمح لأنقرة بالتدخل أكثر في السياسة الداخلية لأذربيجان، كما تخشى أيضًا أن شفافية الحدود ستؤدي إلى مزيد من تدفق السكان من أذربيجان. وقد غضبت باكو من محاولة أنقرة لإصلاح علاقاتها مع أرمينيا في إطار الإستراتيجية التركية "صِفْر مشكلات مع الجيران"، واعتبرت التقارب بين أنقرة ويِريـفـان بمثابة خيانة.

ومن الجدير ملاحظته أن وصول حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى السلطة في تركيا أدى إلى فتور حماسة باكو العلمانية لتطوير علاقاتها مع أنقرة، ورأى قادة أذربيجان العلمانيون في التعاون مع إدارة أردوغان الإسلامية تهديدًا بأسلمة أذربيجان. وهناك خلافات عميقة بين أنقرة وباكو بشأن العلاقات مع إسرائيل، وتتعدد الأسباب الكامنة وراء ذلك، بدءًا من دعم أنقرة لفلسطين وحادثة "أسطول الحرية" وانتهاءً باستدعاء السفير التركي من تل أبيب. من ناحية أخرى، تتطور العلاقات الأذربيجانية-الإسرائيلية بوتيرة متسارعة.

إيران القريبة البعيدة

ما يربط أذربيجان وإيران، بل ما يفصل بينهما أيضًا، هو الإرث الأذربيجاني العرقي والديني الواحد. قبل 1828، كانت كل من إيران وأذربيجان جزءًا لا يتجزأ من إمبراطورية صفوية واحدة، ومع استيلاء روسيا على الأراضي الشمالية من تلك الإمبراطورية اندمج جزء من شيعة إيران الأذربيجانيين في الدولة الروسية، وشكّلوا أساس جمهورية أذربيجان المستقبلية. في الوقت نفسه، ظل الجزء الأكبر من الأراضي الأذربيجانية في إيران.

وتضم إيران اليوم منطقتين أذربيجانيتين كبيرتين: أذربيجان الغربية وأذربيجان الشرقية، ويُقدّر عددُ السكان الأذربيجانيين في إيران بما بين 25-30 مليون نسمة، مع أن جمهورية أذربيجان نفسها لا يبلغ عدد سكانها سوى نحو 8 ملايين نسمة . وكان إسماعيل، شاه إيران، الذي جعل المذهب الشيعي دين الدولة في الإمبراطورية كلها، أذريًا مثل معظم السلالات الحاكمة في إيران قبل وصول سلالة بهلوي إلى السلطة. واليوم ينحدر عدد كبير من نخبة إيران السياسية، بمن فيهم زعيم إيران الروحي علي خامنئي، من أصل أذري. وتعاني العلاقات الأذربيجانية-الإيرانية من تدهور وبوتيرة متزايدة، والأسباب وراء ذلك عديدة.

يقول المحلل الروسي إيغور پانكراتِنكو: إن السلطات الأذربيجانية تخشى طموحات إيران الاستعمارية، بينما تنظر إيران إلى جارتها الشمالية بعين الريبة مخافة أن تكون سببًا في إثارة الأفكار والحركات الانفصالية بين سكانها الأذربيجانيين البالغ عددهم عدة ملايين؛ ولذلك حاولت كل من موسكو وباكو في العهد السوفيتي وبعده مرارًا أن تلعب بورقة فصل الأراضي الأذربيجانية عن إيران.

وتعتبر باكو نفوذ إيران الشيعي تهديدًا للنمط الغربي السياسي والاجتماعي الذي تريده لأذربيجان. لذلك، يكاد يُحظر توزيع كل المطبوعات الإسلامية القادمة من إيران في أذربيجان. أضف إلى ذلك أن رد الفعل الإيراني على الصراع في ناغورنو كرباخ جاء بمثابة صدمةٍ للنخبة الحاكمة في أذربيجان؛ حيث رفضت إيران دعم أذربيجان في نزاعها مع أرمينيا، بل دعت كلا البلدين لتسوية نزاعهما من خلال المفاوضات.

وجاءت المرحلة التالية من تباعد البلدين عندما أدركت طهران إمكانية أن تصبح أذربيجان منطلقًا لعملية عسكرية ضد إيران. وشهد العام الفائت سلسلة من الأحداث الصاخبة بين باكو وطهران؛ حيث كشفت المخابرات الأذربيجانية ما وصفته بمؤامرة "للإرهابيين الإيرانيين" ضد كبار المسؤولين الأذربيجانيين. وما أجبر طهران أخيرًا على استدعاء سفيرها، محمد باهر بهرامي، من باكو هو إهانة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي خلال تظاهرة في باكو احتجاجًا على "سياسة إيران المعادية لأذربيجان".

كل هذه العوامل أبعدت النخبة السياسية في أذربيجان عن إيران وحرضتها على البدء في تعاون وثيق مع إسرائيل من أجل ضمان أمنها، وقد بدأت سياسة باكو المناهضة لإيران بالفعل تؤتي ثمارها.

وقد باتت تصريحات باكو أكثر علانية وعدوانية، فقد اشتكى مؤخرًا فاضل مصطفى، النائب في المجلس المِلّي (برلمان أذربيجان)، للصحفيين من "انتهاك حقوق ملايين الأذربيجانيين" في إيران، واصفًا النظام في إيران بأنه "دموي". ومما جاء في البيان الأخير للجبهة الشعبية المتحدة في أذربيجان الموجه للأذربيجانيين وغيرهم من شعوب إيران "إن حكام إيران الذين يتمسحون بمُسوح الإسلام ينتهجون في الواقع سياسة تخدم قوى الظلام. ونظرًا للرقابة الداخلية الصارمة في أذربيجان، لا شك أن هؤلاء الساسة يعبّرون عن موقف باكو الرسمي.

أميركا وأوروبا: مقاربات مختلفة

على النقيض من النهج الإيراني المعادي للغرب، دأبت السلطات في أذربيجان منذ أيام الاستقلال الأولى على التقارب مع القوى الغربية. وقد تبنّت أذربيجان نظام التفضيل في المعاملة بالنسبة إلى الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2001، حصلت أذربيجان على العضوية في مجلس أوروبا.

يقول سيرغي ماركيدونوف: إنه بسبب علاقات أذربيجان الطيبة مع الولايات المتحدة (التي كانت مواليةً لأرمينيا في تسعينيات القرن العشرين)، لم تُدرَج أذربيجان في القائمة السوداء للدول "غير الديمقراطية" على الرغم من استبداد قيادتها. ويضيف قائلاً: إن الصداقة بين أذربيجان والولايات المتحدة مكَّنت باكو من حلّ المهمة الحساسة لنقل السلطة في البلاد من الأب إلى الابن.

وعشية إحدى زيارات إلهام علييف إلى الولايات المتحدة، وصفت واشنطن أذربيجان بأنها "حليفها الإسلامي"، علمًا بأن هذا اللقب كان قد مُنِح من قبلُ لتركيا. يستطرد ماركيدونوف: "بينما تتعاطف الولايات المتحدة مع المعارضة المناهضة لعلييف، إلا أنها لا تبالغ في تقدير نفوذ هذه الأخيرة؛ ففي نوفـمبر/تشرين الثاني 2005 صرّح السيناتور الأميركي البارز ريتشرَد لوغار عشية انتخابات المجلس الملي في أذربيجان بأنه لا يُتوقَّع حدوث "ثورات برتقالية" في أذربيجان.

يقول غلين هوارد، وهو خبير في شؤون القوقاز وآسيا الوسطى: إن موارد أذربيجان النفطية الهائلة جعلت واشنطن تتغاضى عن بعض سياسات أذربيجان الداخلية. أما الاتحاد الأوروبي فهو شريك أذربيجان الذي لا يُعوَّل عليه كثيرًا. فقد انتقدت المنظمات الأوروبية العمليات السياسية في البلاد، مشيرةً إلى العديد من انتهاكات المسؤولين من كل المستويات للقوانين وتجاوز السلطات.

ومع ذلك فقد أُدرِجت أذربيجان أيضًا، كما جورجيا وأرمينيا الأكثر ديمقراطية، في سياسة الجوار الأوروبي. وقد شدّد قادة أذربيجان على الحاجة إلى التكامل الوثيق مع الاتحاد الأوروبي في جميع المجالات؛ ففي عام 1999 صرّح وزير الدفاع الأذربيجاني سَفَر أبييف بأن بلاده ترى نفسها "جزءًا مكونًا من أوروبا الجديدة" . لكن أذربيجان حققت تقدمًا أكبر بكثير في تعاونها الاقتصادي مع الدول الأوروبية كأفراد؛ فحلفاء أميركا الأكثر موثوقية، وعلى رأسهم بولندا، ينادون بتعاون أوثق مع باكو.

العالم العربي وغياب التفاهم المتبادل

يتحدث السياسيون والمحللون الأذربيجانيون رسميًا عن ضرورة تطوير العلاقات مع الدول العربية، وقد قال وزير خارجية أذربيجان إلمار ماميدياروف: "إن أذربيجان عضو في منظمة التعاون الإسلامي، وبالتالي فهي مهتمة بتوسيع تعاونها مع الدول العربية. وقد أيّد مجلس وزراء الخارجية العرب ترشُّح أذربيجان في انتخابات الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن الدولي للفترة 2012-2013، وأعلنت وزارة الخارجية الأذربيجانية "أن هذا القرار مؤشر على المستوى العالي الذي بلغه تطور العلاقات بين أذربيجان والعالم العربي".

لكن نظرًا للعلمانية الشديدة التي تتسم بها النخبة الحاكمة والمجتمع الأذربيجاني، يظل الانجذاب للعالم العربي في البلاد ضعيفًا للغاية، كما أن الأذربيجانيين لا تربطهم بالعرب أية رابطة لغوية كما هي الحال مع الأتراك، أو قربٌ جغرافي كما هي الحال مع إيران، ولا تحالف عسكري وسياسي كما هي الحال مع إسرائيل. علاوةً على ذلك، لا يسهم التطور السريع لعلاقات أذربيجان مع اسرائيل ولا تعامل نخبة باكو المكثف مع تل أبيب في تطوير العلاقات بين القيادة الأذربيجانية والعالم العربي. كذلك انزعج الأذربيجانيون من تعاون الدول العربية مع أرمينيا وتعزيز علاقاتها معها "في تجاهل تام لمصالح أذربيجان". أما أرمينيا فهي دائبةٌ في فتح بعثات دبلوماسية جديدة لها في الدول العربية؛ لذلك قال وزير الخارجية الأرمني إدوارد نالبانديان: إن تعزيز العلاقات مع العالم العربي وتوسيعها من أولويات السياسة الخارجية لأرمينيا.

بصراحة، يتمتع الأرمن في الدول العربية - في أغلب الأحيان- بموقع أقوى من موقع الأذربيجانيين. على سبيل المثال، في لبنان وسوريا هناك جاليات أرمنية كبيرة، وهي ذات تأثير كبير في الحياة الاقتصادية لهذين البلدين. وقد قال قبل بضع سنوات المحلل عارف يونوسوف من معهد السلام والديمقراطية الأذربيجاني: "يكاد العالم العربي أن يكون في صف أرمينيا" .

ولا يمكن أن ينسى الأذربيجانيون كيف رفض الرئيس السوري بشار الأسد، خلال زيارة قام بها مؤخرًا إلى أذربيجان، أن يزور "زقاق الشهداء"، وهو المكان الذي دُفن فيه الجنود الأذربيجانيون الذين قُتلوا في الصراع مع أرمينيا على إقليم ناغورنو كرباخ.

إسرائيل وتجنيد النظام الأذربيجاني

يشير الخبراء إلى التنامي السريع في العلاقات الأذربيجانية-الإسرائيلية على أعتاب هجوم إسرائيلي محتمل على إيران. وما تجدر الإشارة إليه أيضًا هو التصريح الوارد في وثيقة ويكيليكس 2009، على لسان نائب السفير الأميركي في باكو دونالد لو "لقد قال رئيس جمهورية أذربيجان إلهام علييف: إن علاقات بلاده مع إسرائيل تشبه جبل الجليد: تسعة أعشاره غائبة عن الأنظار".

بلغ حجم التجارة بين إسرائيل وأذربيجان عام 2010 ما يزيد على 2 مليار دولار، وهو ضعف عائدات التجارة بين أنقرة وباكو في الفترة نفسها. كتب المحلل الدولي آرييه غوت: "لدى إسرائيل وأذربيجان أسس اقتصادية وسياسية قوية للتعاون القائم على أساس الجسر الإنساني المهم جدًا: الجالية اليهودية في أذربيجان والجالية اليهودية الأذربيجانية في إسرائيل". اليوم، تأتي 45% من واردات إسرائيل من الطاقة من أذربيجان، وقد تحدث بنيامين بن إليعازر، وزير البنى التحتية الوطنية في إسرائيل، عن إطلاق برنامج طويل الأجل، يدوم 20-30 سنة، لتزويد إسرائيل بالغاز الأذربيجاني.

ولدى تل أبيب عدة أسباب لإقامة علاقات وثيقة مع باكو، أولاً: يعتقد المحللون أن علاقات إسرائيل مع أذربيجان هي جزء من الجهود التي تبذلها الدولة اليهودية لتحسين صورتها؛ يقول إلهان شين أوغلو، مدير مركز أطلس للأبحاث السياسية الذي مقره باكو: "إن إسرائيل بحاجة إلى علاقات ودية مع دولة مسلمة"، وأن اسرائيل أيضًا تدعم أذربيجان في قضية ناغورنو كرباخ.

وخلال زيارته إلى أذربيجان، دعا أفـيغدور ليبرمان، وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق، باكو لتكون بمثابة جسر بين إسرائيل والعالم العربي، ووسيطًا في الصراع العربي الإسرائيلي.

لكن الخبير الروسي إيغور پانكراتِنكو يرى أن أمام باكو عدة عقبات في طريق تحقيق الهيمنة الإقليمية، مثل: روسيا، وإيران، والوضع في ناغورنو كرباخ، وموقف الولايات المتحدة الفاتر من أية محاولة لحل عسكري للنزاع على ناغورنو كرباخ. وبحسب قوله، تتطابق مصالح باكو في الحد من هذه العوامل مع مصالح إسرائيل تمامًا. لذلك فإن إسرائيل ترى أن الحل العسكري للنزاع على ناغورنو كرباخ سيؤدي حتمًا إلى تفاقم الوضع الروسي في المنطقة، لأنه سيخلق مشكلات كبيرة في جوار حدودها.

وبالتالي، فإن ذلك سيُضعِف اهتمام موسكو بشؤون الشرق الأوسط. إضافةً إلى ذلك، يمكن أن يكون خطر نشوب نزاع في ناغورنو كرباخ بمثابة ذريعة إضافية لمطالبة موسكو بالحد من تعاونها مع إيران. ولهذا الهدف أزالت إسرائيل عمليًا كل العقبات أمام أذربيجان للحصول على التسليح الإسرائيلي، وهو ما لا تستطيع باكو أن تحصل عليه لا من الولايات المتحدة ولا من أوروبا بسبب القيود القانونية، ولا من المورِّدين السوفيت السابقين، مثل: أوكرانيا أو روسيا البيضاء. ولكي تدعم إسرائيل طموحات أذربيجان لتولي الزعامة في المنطقة، فهي لا تكل من استخدام قدرات الضغط لديها في الولايات المتحدة؛ يقول المحلل آرييه غوت: "يقدّم ممثلو الجالية اليهودية المساعدة اللائقة لإطلاع الأسرة الدولية على حقيقة الأمور في أذربيجان، كما يساعدون في تطوير العلاقات الدولية مع أذربيجان" .

ويقول إيليا بيرتمَن من مركز بيغين-السادات الإسرائيلي للدراسات الإستراتيجية: إن اللوبي اليهودي في واشنطن يعمل في الواقع على إبطال سياسة اللوبي الأرمني المناوئة لأذربيجان والتي ترمي إلى الحد من المساعدات الأميركية إلى باكو. يقول بيرتمَن: "ونتيجة لنشاط اللوبي اليهودي في أميركا، ألغت وزارة الخارجية الحظر على مبيعات الأسلحة إلى أذربيجان المعمول به منذ عام 1993، كما خصصت الحكومة الأميركية في منتصف العقد الأول من القرن الحالي منحة قدرها 4,4 مليون دولار لشراء معدات عسكرية". ولكنْ هناك هدف آخر يوحّد أذربيجان وإسرائيل غير ردع روسيا وأرمينيا، ألا وهو التهديد الإيراني؛ وقد أشار الديبلوماسي الأميركي روبرت غارـيرِك إلى ذلك بقوله: "إن كلا البلدين ينظران إلى إيران باعتبارها تهديدًا حقيقيًا لوجوده".

ويقول المحلل الروسي إيغور پانكراتِنكو: إنه لهذه الأسباب مجتمعةً تحرص إسرائيل على التقرب من النخبة الحاكمة في أذربيجان: أحدث الأسلحة، وقوة اللوبي اليهودي في أميركا، ودعم المسعى الأذربيجاني للهيمنة الإقليمية في مقابل الكفاح المشترك ضد "الخطر الإيراني". فبفضل المدفعية الصاروخية الإسرائيلية، والأسلحة الصغيرة، ومدافع الهاون، وأنظمة الاتصالات، والطائرات بلا طيار، يستطيع الجيش الأذربيجاني أن يزيد من قدراته على مواجهة أي صراع محتمل مع أرمينيا وقوة إيران المتصاعدة. وقد بدأت أذربيجان فعلاً باستخدام كل هذه الترسانة التي في متناول يدها؛ ففي أواخر عام 2012، ذكرت قناة الصحافة التليفزيونية الإيرانية أن أذربيجان تستخدم طائرات إسرائيلية خفيفة للغاية بلا طيار مثل أوروبتَر وهيرمِس 450 لحراسة الحدود مع إيران وناغورنو كرباخ.

ونقلت القناة عن خبراء إيرانيين قولهم: إن هذه الطائرات بلا طيار يمكن ربطها بأقمار الاستخبارات الإسرائيلية. إضافة إلى ذلك، ذكرت صحيفة صنداي تايمز البريطانية في ديسمبر/كانون الأول 2012 أن إسرائيل تنوي استخدام طائرات بلا طيار من طراز إيتان متمركزة في أذربيجان لاعتراض الصواريخ الإيرانية المنطلقة على إسرائيل.

التحديات

تعاني أذربيجان اليوم كثيرًا من صراعات داخلية لم تُحَلّ بين الحكومة والمعارضة، وبين العلمانيين والمتدينين في المجتمع، بين الشيعة والسنة، بين الأقليات العرقية والنخبة الحاكمة في أذربيجان. بالإضافة إلى ذلك، تتنافس على أذربيجان القوى المجاورة لها بغية تنفيذ إستراتيجيات متباينة تمامًا؛ لهذا السبب تتنامى فيها اتجاهات متناقضة تمامًا، مثل تزايد العداء تجاه طهران، وزيادة اعتماد أجهزتها الأمنية على الاستخبارات الإسرائيلية الخاصة.كما أن المشكلات آنفة الذكر تزيد من وتيرة التوتر والتطرف بين المعارضة والأقليات العرقية والدينية في المجتمع الأذربيجاني. وعلى هذه الخلفية، بدأ عدد متزايد من الخبراء والسياسيين يتحدثون عن إمكانية تصدير الثورات العربية إلى أذربيجان. ومع قدرة الأذربيجانيين المتسارعة على الوصول إلى الإنترنت ومصادر المعلومات البديلة، وشبكات التواصل الاجتماعي، صار لدى أذربيجان المستقلة تقاليد لا يُستهان بها من المعارضة السياسية والمنظمات العامة والسياسية القوية.

لكي نفهم الوضع داخل المجتمع الأذربيجاني علينا أن ننظر إلى متانة النظام السياسي الأذربيجاني، والنزعة الشرقية لدى الشعب الأذربيجاني لعبادة السلطة، والإرث السياسي السوفيتي وما له من أثر هائل باقٍ لا يزال يخيم على المجتمع الأذربيجاني. لهذا السبب لا يمكن للمرء أن يجزم بالمطلق حول إمكانية استنساخ أي سيناريوهات ثورية في أذربيجان، ولا أن يتحدث عن زلزال سياسي في المجتمع الأذربيجاني إلا في حالة انهيار الأنظمة السياسية في البلدان المجاورة.

وعلى باكو أن تجعل في قائمة أولوياتها مراقبة الوضع في إيران التي يشكّل الأذريون فيها أكثر من ثلاثة أضعاف سكان أذربيجان. ويتوقع بعض الخبراء ظهور "هلال شيعي"، أي تحالفٍ سياسي من الحركات والأحزاب السياسية الشيعية ذات التوجه الإيراني، وتتعزز فرص هذا الاحتمال في ضوء المزاج العام وزيادة شهية الاحتجاج داخل الأوساط الشيعية في البحرين والكويت والمملكة العربية السعودية، وفي ضوء تنامي نفوذ الشيعة في إيران والعراق ولبنان.

ومما تجدر الإشارة إليه مرة أخرى هو أن المسؤولين في باكو سيجدون أنفسهم في مواجهة وضع خطر بسبب الصحوة الدينية المتسارعة في المجتمع الأذربيجاني. يلجأ نظام علييف في أذربيجان اليوم إلى حل مشكلة تزايد النشاط الإسلامي من خلال دعم التوسع الشيعي في المناطق السنية من البلاد وطرد أهل السنة المتشددين إلى جمهورية داغستان الروسية المجاورة. وإذا تعسكرت المجتمعات السنية في المناطق الشمالية من أذربيجان أو توغلت الجماعات القوقازية الشمالية المسلحة في أراضي أذربيجان، عندئذٍ سيجد النظام الحاكم في باكو نفسه في ورطة رهيبة أقطابها مسلحو السُّنة المتشددون في الشمال، والتحالف الشيعي في الجنوب، وواقعٌ يستعصي على التوفيق داخل البلد.
____________________________________________
د. رسلان قوربانوف - باحث في معهد الدراسات الشرقية لأكاديمية العلوم الروسية
ترجم النص عن الإنجليزية د. موسى الحالول






التوقيع



يحتاج الإنسان إلى سنتين ليتعلم الكلام وخمسين ليتعلم الصمت
إرنست همنغواي
رد مع اقتباس
قديم 23-02-2013, 07:22 PM رقم المشاركة : 67
معلومات العضو
kumait
عضو برونزي

الصورة الرمزية kumait

افتراضي مجموعات العنف غير التقليدية.. البلاك بلوك والألتراس نموذجا


مجموعات العنف غير التقليدية.. البلاك بلوك والألتراس نموذجا
د. عبدالفتاح ماضي

تمهيد

برغم أن كل الثورات تشهد أعمال عنف بدرجات متفاوتة، إلا أن نطاق العنف في مصر اتسع مع اقتراب الثورة من عامها الثالث، ومع دخول مجموعات شبابية إلى المشهد السياسي مستخدمة طرقا غير تقليدية من العنف ضد مؤسسات السلطة وأجهزتها الأمنية. وتحاول هذه الورقة التعرف على هذه المجموعات، وعلى الأخص منها مجموعات "الألتراس" و"البلاك بلوك"، من خلال الإجابة عن عدة أسئلة، هي:

ما البيئة التي نشأت فيها هذه المجموعات؟
وما طبيعة هذه المجموعات؟ وكيف نشأت؟ وما أهدافها؟
وما السمات العامة لهذه المجموعات؟ وما الآثار المتوقعة منها؟
وأخيرا كيفية التعامل معها؟

خلفية الأحداث في مصر

استطاع الشباب، عن طريق الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي وبطرق تعبئة وحشد غير تقليدية، إشعال الثورة في مصر وإسقاط واحدة من أعتى الدكتاتوريات في العالم، رافعين شعارات الثورة (العيش، والحرية، والكرامة، والعدالة الاجتماعية). لكن الشباب لم يتفقوا على بديل واضح للنظام الذي أسهموا بقوة في إسقاطه، ولم يشكلوا تكتلا يمثلهم أو يعبر عن مطالبهم.

لقد تطلع الشباب إلى رؤية تغيير حقيقي ينعكس على أحوال الناس الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، كما نادوا بالثأر لدماء شهداء الثورة ومصابيها، وانتظروا محاكمات سريعة وعادلة لرموز النظام السابق. وبدون الخوض في تفاصيل المرحلة الانتقالية، فإن ما أود التركيز عليه هو أن تطلعات الشباب هذه وقضايا الثورة الحقيقية لم تكن محل اهتمام المجلس العسكري ولا القوى السياسية، الحاكمة والمعارضة، طوال العامين الماضيين. وبدلا من مناقشة كيفية بناء نظام سياسي تتحقق من خلاله شعارات الثورة، انزلقت هذه القوى إلى قضايا فرعية، ليست بأهمية تلبية مطالب الجماهير وبناء نظام ديمقراطي بديل.

أعاقت ممارسات القوى التقليدية مسار الثورة، ولم ما يكفي من الجهد لتحويل قيم الثورة وأهدافها إلى واقع ملموس، مما أدى إلى إطالة الحالة الثورية وتجدد طاقة الشباب الثورية.ومع استمرار حالة الاستقطاب بين الرئيس وجماعته والمعارضة وأنصارها، وفي ظل حالة الاحتقان التي صاحبت محاكمة المتهمين بمجزرة بورسعيد، طفت على السطح أعمال عنف مختلفة راحت ترفع شعارات تبدأ من القصاص وتنتهي بالمطالبة بإسقاط الرئيس.

وهناك مجموعتان رئيسيتان في هذا المجال، هما تنظيمات "الألتراس" التي بدأت كتنظيمات رياضية إلا أنها سُيست وصارت لاعبًا مؤثرًا منذ بداية الثورة، ومجموعات "البلاك بلوك" التي ظهرت في أعقاب أحداث "قصر الاتحادية".

النشأة والأهداف

دخلت هذه المجموعات إلى المشهد السياسي كرد فعل على ارتباك مسار الانتقال، وضعف حكم القانون ومؤسسات الدولة، وانكسار جهاز الشرطة، حيث صار العنف، عند الكثيرين، هو الأسلوب الوحيد للحماية ورد العدوان. كما أن شباب هذه المجموعات يربطون تحركاتهم العنيفة بظهور "فتاوى دينية" تستبيح دم المعارضين، وبتجاهل السلطة للأفكار التي أعلنها البعض لإنشاء "ميليشيات" تابعة لناشطين إسلاميين.

أولا: الألتراس

تستخدم كلمة الألترا (ultra) لوصف مناصري قضية معينة على نحو يجاوز ولاء أصحاب القضية الأصليين لها، وقد انتقلت الكلمة لوصف مشجعي الأندية الرياضية بأوروبا في ظل سياق اتسم بعزوف الشباب عن الآليات التقليدية للسياسة كالأحزاب والنقابات، بجانب صعود السياسات الرأسمالية وأزمة الحداثة بالمجتمعات الغربية. واتسمت جماعات الألتراس الرياضية عن غيرها بولائها غير المشروط لنواديها، وباستقلاليتها المالية والتنظيمية، عن مجالس إدارات النوادي وروابط التشجيع التقليدية، واعتمادها على التبرعات الذاتية للأعضاء، الذين تتراوح أعمارهم عادة ما بين (16-25 سنة)، ومعظمهم من الذكور القادمين من كافة طبقات المجتمع وخاصة الطلاب.

وتتباين هذه المجموعات في تنظيماتها الداخلية بين التنظيم المحكم بهرمية وقواعد محددة ورسوم عضوية، وبين التنظيم غير الرسمي والقواعد غير المكتوبة. وهناك علاقات تواصل وتعاون بين بعض المجموعات عبر الدول الأوروبية . ولكل مجموعة مكان وسلوكيات معينة للتشجيع الدائم والمستمر بغض النظر عن النتيجة، وبرغم أن بعضها يصف نفسه بأنه غير عنيف، إلا أن الممارسات الفعلية غالبا ما تشهد شعارات أو عبارات أو أناشيد عنصرية أو اشتباكات عنيفة أو الهجوم على الممتلكات.

وبشكل عام، ظلت مجموعات الألتراس غير مُسيسة، ولا تتبنى أيديولوجيات محددة، ولا يرتبط أعضاؤها بأحزاب سياسية، غير أن بعض مجموعات الألتراس في دول كإيطاليا وبولندا وأكرانيا لها ميول يمينية متشددة. أما العامل المشترك بين هذه المجموعات فهو عداؤها الدائم لأجهزة الأمن التي تحاول دوما أن تسيطر على هذه المجموعات، وأيضا عداؤها الدائم لأجهزة الإعلام التي ارتبطت في أذهان الألتراس بأنها الحليف الطبيعي لأقطاب صناعة لعبة الكرة وسيطرة العقلية الرأسمالية عليها.

وانتقلت فكرة الألتراس إلى عدد من الدول العربية، ووصلت مصر عام 2007 لتظل مجموعات غير مُسيسة، ومعادية للأمن والإعلام على خلفية رياضية بحتة، وترفض تحول الكرة إلى صناعة يستفيد منها الكبار على حساب الجمهور. ومع اندلاع الثورة، وانكسار حاجز الخوف، شاركت مجموعات الألتراس في الأيام الأولى للثورة، وانصب اهتمامها على حماية الميدان وأسر الشهداء والمصابين، وفي الضغط أثناء محاكمات الرئيس السابق. كما شاركت بمليونية 9 سبتمبر/أيلول2011 التي انتهت باقتحام السفارة الإسرائيلية.

ومنذ مجزرة ملعب بورسعيد، التي راح ضحيتها 74 شخصا، تصاعد النشاط السياسي للألتراس، وخاصة ألتراس النادي الأهلي، إذ راح أفراده ينظمون احتجاجات دورية للمطالبة بالقصاص. وبدءًا من 19 يناير/كانون الثاني 2013 كان الألتراس في مقدمة الصفوف ضد قوات الشرطة استعدادًا للحكم في مذبحة بورسعيد في 26 من نفس الشهر، وسُيرت عدة مظاهرات بمحافظات مختلفة، كما لجأ لطرق عنف غير تقليدية كقطع الطرق وتعطيل المترو والتهديد بالانتقام. ولأن الأحكام جاءت مشددة، فقد شهدت البلاد نوعين من نشاطات الألتراس، ففي القاهرة، احتفل ألتراس الأهلي بالأحكام باعتبارها خطوة أولى للقصاص، معلنا انتظاره لبقية الأحكام على قيادات الداخلية يوم 9 مارس/آذار القادم. أما في بورسعيد، فقد قام ألتراس النادي المصري بمحاصرة سجن بورسعيد لتهريب المتهمين، ثم اندلعت احتجاجات شعبية عارمة ضد مقار الشرطة والمباني الحكومية تنديدا بالأحكام ومطالبةً بإسقاط الرئيس. وامتدت الاحتجاجات لعدة أيام وانتهت بأكثر من خمسين قتيلا وسيطرة الجيش على مدن القناة الثلاث.

وللألتراس عدة صفحات على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، منها صفحة تضم ما يقرب من ثلاثة أرباع مليون عضو تسمي (UltrasAhlawy-UA07)، بها عبارات عدائية للشرطة والمجلس العسكري، وأخرى تتوعد بالقصاص وهناك عبارات تنتقد بشدة التيارات السياسية الباحثة عن الشهرة، لكن لا تتبنى هذه الصفحات أي نقد لرئيس الجمهورية أو الإخوان. وعلى صفحة (Ultras Devils) جاءت العبارة التالية يوم 27 يناير/كانون الثاني الماضي: "26 يناير مجرد بداية "مقبولة".. 9 مارس إما استمرار و"اكتمال" العدالة، وإما الفوضى ودم بـدم، لن نقبل بمعاقبة بريء أو براءة ظالم أو قاتل أو فاسد" . وهناك صفحة أخرى تسمى"جيش الألتراس"، حددت لنفسها عدة أهداف، منها التضحية من أجل الثورة والقصاص من قتلة الشهداء، والتصدي لأي عمل إجرامي ضد الثوار، ومساندة المسيرات.

وهناك صفحة لألتراس النادي المصري على الفيس بوك هي (Ultras Green Eagle-Uge)، قامت بتنسيق تحركات أفرادها قبل النطق بالحكم، ودعت إلى الاحتجاج بطرق مختلفة كمحاصرة ميناء بورسعيد. وبعد النطق بالحكم اعتبرت الصفحة أن الأحكام جائرة، وأنها جاءت ترضية لألتراس الأهلي ولتهدئة الأمور بكافة المحافظات والتضحية ببورسعيد. وحمّلت الصفحة الرئيس والإخوان مسؤولية هذه الأحداث، وانتقدت عدم تدخل الجيش لحماية الأهالي (28 يناير/كانون الثاني 2013). كما تنشر الصفحة أسماء الشهداء وبعض مقاطع الفيديو التي تُظهر اعتداء أفراد الشرطة على المتظاهرين وتعذيب الأطفال.

ثانيا: البلاك بلوك

نشأت مجموعات البلاك بلوك (Black Bloc) كتكتيك في التظاهرات، حيث يرتدي أفرادها الملابس السوداء، ويخفون وجوههم بأقنعة سوداء لستر هوياتهم وإظهار أنفسهم ككتلة واحدة متضامنة. وارتبطت هذه المجموعات بحركات الاحتجاج اليسارية والفوضوية والحركات الراديكالية بشكل عام، وتعود جذورها إلى نهاية الستينيات بشيكاغو فيما عرف بأيام الغضب أثناء الحرب الفيتنامية، ثم في الثمانينيات بألمانيا ضمن الحركات المناهضة للسياسة النووية وسياسات أخرى. ونُسب لهذه المجموعات الكثير من أعمال الشغب والحرائق والتظاهر بدون تصريح وإتلاف ممتلكات الشركات متعددة الجنسية. ثم جذبت اهتمام العالم في المظاهرات المناهضة لمنظمة التجارة العالمية أثناء مؤتمر بمدينة سياتل الأميركية عام 1999 عندما تم إتلاف عدة محال تجارية تابعة لشركات متعددة الجنسيات.

وفي مطلع العام الثالث للثورة، ظهرت بمصر مجموعات صغيرة تُطلق على نفسها ذات الاسم وتتبنى نفس الأساليب غير التقليدية في الاحتجاج. وقد أنشأ هؤلاء عدة صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، أهمها صفحة الكتلة السوداء- مصر(Black Bloc Egypt) التي ظلت تعمل حتى 10 فبراير/شباط الجاري ثم أغلقت.

ويعرف ناشطو هذه المجموعة أنفسهم بالقول "نحن نسل من دماء الشهداء"، الذين سقطوا في الثورة، ويرون أنفسهم بأنهم "التطور الطبيعي لغياب القصاص". ويؤكدون على أن "الثورات لا تصنع من ماء الورود، الثورات تصنع من الدماء"، ويرفعون شعارات مثل: "إذا انعدم العدل فانتظر الفوضى"، "نحن فوضى تمنع الفوضى".

وقالت المجموعة في بيان مصور لها: إن هدفها هو "السعي لتحرير الإنسان، وهدم الفساد، وإسقاط الطغاة في كل زمان ومكان"، و"إسقاط نظام الإخوان المسلمين" و"ذراعه العسكري". ونفت أي علاقة لها بالكنيسة، مؤكدة على أنها تقف فقط ضد الإخوان المسلمين و"أي جماعة تستغل الدين من أجل تحقيق أهداف سياسية خاصة" . لكن المجموعة أكدت على عدم تعرض أفرادها لرجال الشرطة والجيش، لكنها حذرتهم بأنهم "لن يتهاونوا في الرد على وزارة الداخلية إذا ما واجهتهم، لدى محاولتهم إسقاط الفاشية". كما نفت أي علاقة مع حمدين صباحي أو جبهة الإنقاذ، معلنة رفضها لمعظم قراراتها لأنها "ضعيفة ولا تحقق طموحات الثورة" . ويرى أفراد المجموعة أن سبب وجودهم هو الهجوم الذي شنته ما يسمونها "ميليشيا الإخوان" على معتصمي "الاتحادية" مطلع ديسمبر/كانون الأول 2012، وظهور ما عُرف إعلاميًا "بميليشيا حازمون" التي اشتبكت مع المتظاهرين أمام مسجد القائد إبراهيم بالإسكندرية وحاصرت مدينة الإنتاج الإعلامي.

وهكذا، فإنه، وعلى خلاف مجموعات الألتراس، التي لا تنتقد جماعة الإخوان، فإن البلاك بلوك تعادي بوضوح الرئيس والإخوان. وقد نسبت لهم الصحف الهجمات التي تعرضت لها مقار الإخوان وبعض المباني الحكومية والمحاكم وإيقاف حركة المرور والمترو في عدة مدن مصرية، بجانب احتجازهم طاقم الجزيرة لأنها "قناة تعمل لصالح النظام الحالي، وتروج للإخوان المسلمين" حسب اعتقادهم.

ويبدو أن الأعداد المنتمية لهذه المجموعات محدودة حتى الآن، ففي استفتاء أجرته صفحة (Black Bloc Egypt) بعنوان "استفتاء نريد القصاص والحل:" بتاريخ 4 فبراير/ شباط 2013 ظهرت بعض النتائج بمشاركات لم تتجاوز المئات، أهمها: 188 "الكفاح المسلح والفوضى"، 148 "السلمية وتأمين المظاهرات من الاعتداء"، 36 "السلمية + انقلاب من ضباط الجيش الشرفاء فقط". ويؤكد الكثير من الناشطين والصحفيين بالإسكندرية أن وجوه المنتمين للتنظيم بالإسكندرية غير مألوفة لهم، ولم يكن أي فرد منهم ينتمي إلى أحزاب أو حركات ثورية أخرى. وذلك عكس ما نُسب إلى قائد إحدى المجموعات بالإسكندرية في تصريحات صحفية، من أن معظمهم كان ينتمي لحركات سياسية، لكنهم انفصلوا عنها لتكوين البلاك بلوك.

والخطير هنا هو أن هذه المجموعات لا تترد في استخدام العنف للوصول إلى أهدافها. فبرغم نفيها العمل المسلح إلا أن صفحاتها على "فيسبوك" تحتوي فيديوهات تُظهر طرق عمل المولوتوف المتطور (6/2/2013)، وكيفية صنع قنبلة دخان (6/2/2013)، كما أظهرت بعض الفيديوهات مسيرات لأعضائها بالأسلحة البيضاء. وفي صفحاتهم تقرأ: "نعلن نحن مجموعة البلاك بلوك عن القصاص بأيدينا ولا ننتظر من القانون شيء.. فقط الكفاح المسلح هو الحل.. كما نعلن عن الاغتيالات لرموز النظام قريبا." وكذا: "سلّحوا الثورة.. حق إللي ماتوا مش هيجي بالهتاف والمسيرات والاعتصامات. كما نقلت عنهم الصحف أنه "إذا تطور الأمر وازداد "إرهاب" الجماعات الإسلامية، فلن يكون أمامهم خيار سوى اللجوء لاستخدام السلاح.

ويدافع أفراد المجموعة عن أنفسهم بالقول بأنهم مستهدفون من الداخلية، بينما هم قاموا بحماية المتحف المصري يوم 26 يناير/كانون الثاني، ومتحف المجوهرات الملكية المجاور لمسكن محافظ الإسكندرية الذي تمت محاصرته . وبرغم نفي المجموعة علاقتها بأي متحدث يظهر في وسائل الإعلام، وتأكيدها على أنه لا أحد يتحدث باسمها، إلا أنه نُقل عنهم أنهم اختاروا، بعد ذلك، أن يتعاملوا مع الإعلام بسبب وصفهم بالبلطجية في بعض القنوات الإعلامية وإظهارهم كتنظيم فوضوي.

وقد اعتبرت النيابة العامة هذه المجموعة "جماعة إرهابية"، وأصدرت بيانا أعلنت فيه أن المجموعة جزء من "مخطط إسرائيلي يستهدف شركات البترول والمواقع الحيوية"، كما كلف النائب العام هيئة الأمن القومي وقطاع الأمن الوطني، بجمع كافة المعلومات عن المجموعة ومصادر تمويلها وأهدافها ومدى صحة ما نسب لهم بالمواقع الإلكترونية .

السمات العامة

برغم حداثة هذه المجموعات وقلة المعلومات المتوفرة عنها، فإنه يمكن استنادا إلى ما تقدم رصد عدد من السمات العامة:

أولها: أن العماد الرئيس لهذه المجموعات يتكون من الشباب في العقدين الثاني والثالث من العمر، والكثير منهم من طلاب المدارس الثانوية والمعاهد والجامعات. وهذه المجموعات غير منظمة تنظيما هرميا تقليديا، وإنما يعتمد أفرادها على التواصل الأفقي والشبكي. وليس من المعروف حتى الآن ما إذا كانت هناك أطراف ما تستخدم هؤلاء، ولا من يمولهم.

ثانيا: إن ثقافة أعضاء هذه المجموعات مستمدة، غالبا، من وسائط إعلامية وفضائية ومعلوماتية حديثة، وهي ثقافة محدودة بشكل عام. كما أنه ليس لدى الكثيرين منهم ثقة كبيرة في الأطر القديمة بما في ذلك الهُوية الوطنية، ويعانون بالتالي من أزمة هُوية وانتماء، وهذا نتاج طبيعي لعولمة الثقافة وغزو الفضائيات الأجنبية وضعف البدائل الثقافية القائمة . وليس أدل على ذلك من أن أساليبهم في مواجهة خصومهم منقولة بالكامل من تجارب خارجية (الألتراس والبلاك بلوك). الشباب يبحث، في الواقع، عن هُوية مفقودة منذ عقود، وإذا لم تنجح الثورة في إقناعهم بأن هناك أملا في صياغة هُوية وطنية جامعة، وإذا لم تتجاوز القوى التقليدية خلافاتها السياسية، وإذا لم تستمع هذه القوى للشباب، فستستمر الحالة الثورية، بل وقد تتطور هذه المجموعات إلى حركات أكثر تنظيما وعنفا وخطورة على هُوية البلاد ووحدتها.

ثالثا: ليس لهذه المجموعات لون أيديولوجي محدد، وما يجمع كل مجموعة فكرة بسيطة هي "القصاص أو الدم" أو "القصاص أو الفوضى". وهذا في حد ذاته مصدر للقوة، إذ لا يشغل أفراد هذه المجموعات الخلافات التاريخية والاختلافات الإيديولوجية السائدة بين القوى التقليدية، ولا حسم القضايا الخلافية الكبرى.

رابعا: تعاني هذه المجموعات من تناقضات فكرية وسلوكية، فالكثير من أفرادها أقرب إلى الاتجاهات اليسارية، لكنهم لا يترددون في استخدام منتجات الحضارة الغربية، وخاصة في مجال التكنولوجيا والاتصالات وأنماط السلوك الجمعي. ولكنهم لا يخلطون القضايا الداخلية بالقضايا الخارجية على مستوى الخطاب السياسي، وذلك فيما عدا بعض المواقف المنددة بالاعتداءات الإسرائيلية والأميركية. كما تختلف هذه المجموعات عن الحركات اليسارية التقليدية، فهذه الأخيرة لم تكن أبدا عنيفة في مصر، وتركزت مطالبها حول مطالب سياسية واجتماعية.

خامسا: يشعر أفراد هذه المجموعات بعدم الثقة في النخب والمؤسسات القائمة، ويرفضون -بعد انكسار حاجز الخوف- الخضوع لأية جهة، ويتصورون أن بإمكانهم تغيير أي شيء. إن لدى الكثير منهم إحساس قوي بعدم الأمان، ويجدون ذواتهم في تحدي كل ما هو قائم.

سادسا: الأخطر هو فقدان الشباب، كمعظم النخب السياسية، التركيز على الموضوع الأساس الذي كان يجب أن يكون موضع الاهتمام في أعقاب ثورة ضد الاستبداد، وهو النظام الديمقراطي بمفاهيمه ومؤسساته وضماناته المتعارف عليها. لقد فُقِدَ هذا الموضوع وسط موضوعات أخرى ليست بأهمية بناء النظام البديل الذي (متى تم التوافق عليه بشكل صحيح)، فإنه سيساعد على منع تكرار ممارسات النظام السابق ويفتح الطريق أمام ظهور حكومات منتخبة وقادرة على التصدي للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية. وكان من الواجب التفكير مليا في كيفية تطوير هذا النظام الديمقراطي ليلبي طموحات الشباب ويترجم آمالهم في تغيير بنية وطبيعة السلطة وإيجاد مؤسسات أكثر تمثيلا وفعالية.

وفي واقع الأمر، أعتقد أن فرصة وضع دستور جديد في مصر قد أُهدرت منذ اليوم الأول لتأسيس الجمعية التأسيسية، عندما اعتمدت الأوزان الحزبية في تشكيلها، وعندما لم يُمثل الشباب والمجتمع فيها بشكل حقيقي. لقد كانت الثورة فرصة ذهبية لتمثيل الوطن بأكمله في جمعية تأسيسية تضع دستورا حديثا يضمن إقامة نمط جديد لعلاقات القوة والسلطة، يقوم على تمثيل حقيقي للمجتمع ومشاركة حقيقية في الحكم، ويُحوّل قيم الثورة إلى واقع ملموس يصل إلى كل مؤسسات وفئات وهياكل المجتمع. ولم يواكب الدستور التغيير الذي حدث بالألفية الثالثة، على مستوى تطور الديمقراطية ذاتها وظهور أشكال جديدة للمشاركة والتمثيل.

التعامل مع مجموعات الألتراس والبلاك بلوك

ليس من اليسير الآن التوقع بشأن مستقبل هذه المجموعات، فقد يتحول بعضها إلى جماعات ضغط تختفي بتحقيق مطالبها، وقد تتطور مجموعات أخرى إلى تنظيمات عنف منظمة، كما قد يتم اختراق بعض المجموعات من قبل أطراف داخلية وخارجية بهدف إجهاض الثورة. وفي جميع الأحوال يمثل استخدام العنف خطرا شديدا على مستقبل البلاد والثورة معا.

ولهذا يمكن اقتراح بعض الأفكار للتعامل مع هذه الظاهرة.

فأولا،يجب على القوى السياسية، الحاكمة والمعارضة، عدم الاستهانة بأعداد هؤلاء الشباب أو بمواقفهم وأفعالهم، ولا النظر إليهم باعتبارهم فصيلا واحدا. هناك بالطبع فئات قد تكون مأجورة تعمل كأداة للثورة المضادة، وأخرى ترفع السلاح وتهدم مؤسسات الدولة، وهذه لا يصلح معها إلا سحب أي غطاء سياسي عنها ومواجهتها دون تجاوز القانون. أما ما عدا هؤلاء، كشباب الألتراس وشباب الائتلافات الثورية السلمية وغيرهم، فلا يجب تجاهلهم، فالشباب نجحوا فيما فشلت فيه النخب التقليدية، واستطاعوا إسقاط أعتى المستبدين. وهم، في اعتقادي، قادرون على قلب الطاولة من جديد في بضع سنين أو شهور، إذا أحسوا من جديد بالتهميش، وإذا لم يروا تغييرا حقيقيا في بنية السلطة وهياكلها. لقد انكسر حاجز الخوف لديهم ومازالت أدوات التعبئة الإلكترونية والشعبية في أيديهم، ونجاحهم القريب يقدم لهم قوة دفع قوية لتكرار المحاولة.

وثانيا،لن تصلح الحلول الأمنية، فجهاز الأمن لم يتم إصلاحه إصلاحا جذريا، وهو غير قادر على مواجهة موجات ثورية مستمرة بهذا الشكل. والشباب الثائر غير قابل للاحتواء أمنيا، كما أن مطالبهم قوبلت على مدى عامين بتجاهل تام مما أفسح المجال للحركات العنيفة. وكذلك من الخطورة تصور إمكانية وجود حلول عسكرية، فالجيش غير راغب، وغير قادر، على السيطرة المباشرة في ظل ثورة شعبية اللهم إلا إذا لجأ إلى النمط السوري، وهذا مستبعد بسبب التجربة السابقة للمجلس العسكري، ووطنية المؤسسة العسكرية.

ثالثا: لا مفر من إيجاد آليات للحوار والاستماع بجدية وعمق إلى الشباب والتعرف على رؤاهم، وخلق مساحات للحوار فيما بينهم أيضا. ويجب طرح القضايا الجوهرية بدلا من الانزلاق إلى قضايا فرعية يمكن معالجتها لاحقا. وأتصور هنا وجود قضيتين محوريتين للحوار: الأولى حول أسس النظام الديمقراطي المنشود، وآليات وسبل تفعيل مشاركة الشباب في كافة القطاعات السياسية والتنموية والاجتماعية، وحول كيفية إقامة هذا النظام والتوافق حوله والحفاظ عليه. أما القضية الثانية، فهي أنه في ضوء ضعف الانتماء لدى قطاعات كبيرة من الشباب، وامتداد حالة الاستقطاب إلى بعضهم، فلابد من التوافق على مبادئ وأسس هُوية وطنية جامعة، تجمع المصريين وترتب أولوياتهم وتوحد جهودهم، إلى جانب ترسيخ منظومة قيمية واجتماعية جديدة تُعلي من شأن المشاركة وأهمية التفكير في المستقبل وتجاوز كافة العقبات.

رابعا: هناك، داخل هذه المجموعات وخارجها، شباب غاضبون يعبرون عن غضبهم في مجتمع حَرَمَهم من أبسط متطلبات الحياة منذ عقود. هؤلاء قد يكونون نواة لغضبة حشود أخرى من المهمشين الذين لم تتحسن أوضاعهم بعد الثورة، ويشهدون كل يوم معارك سياسية لا ناقة لهم فيها ولا جمل. ومن الملاحظ أن البلاك بلوك ستسعى إلى دفع هؤلاء إلى التظاهر، وهو ما أشار إليه أدمن واحدة من صفحات البلاك بلوك من أن الفقراء بالمناطق الشعبية، أو ما أسماهم "الحرافيش" هم من سيسقطون النظام الحالي . إن أوضاع هؤلاء لابد أن تكون على رأس أولوياتنا، ففي بلد فيه 18 بالمائة من الأسر تعيش في غرفة واحدة، وبه أكثر من 1200 منطقة عشوائية (يعيش فيها أكثر من 12 مليون نسمة) حسب مصادر مختلفة،يجب أن تكون هناك وزارة (أو مجلس أعلى) للمهمشين والعشوائيات حتى يتم القضاء تدريجيا على هذه المشكلة ويتحول هؤلاء الناس من محرومين إلى مواطنين.

وأخيرا، يجب إدراك أن غياب الحل السياسي الشامل القائم على التفاهم والمصالحة والمشاركة وتجنب المصالح الضيقة هو السبب الأول لتفشي العنف بجميع أشكاله، وغياب هذا الحل اليوم سيوصل البلاد إلى حالة من الاحتراب الأهلي المسلح لن تخرج منه قبل سنوات.
______________________________________
د. عبدالفتاح ماضي - أستاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة الإسكندرية






التوقيع



يحتاج الإنسان إلى سنتين ليتعلم الكلام وخمسين ليتعلم الصمت
إرنست همنغواي
رد مع اقتباس
قديم 23-02-2013, 07:42 PM رقم المشاركة : 68
معلومات العضو
kumait
عضو برونزي

الصورة الرمزية kumait

افتراضي "ثورة الغاز الصخري" هل تحقق استقلال أميركا من سيطرة الشرق الأوسط


"ثورة الغاز الصخري" هل تحقق استقلال أميركا من سيطرة الشرق الأوسط

منذ إعلان استقلالها عن التاج البريطاني في العام 1776، ومن خلال شتى الأساليب، سياسية، دبلوماسية، اقتصادية، تكنولوجية وحتى العسكرية حاولت الولايات المتحدة الأميركية جاهدة ضمان أمن إمداداتها من مصادر الطاقة اللازمة لإدارة عجلة اقتصادها وحماية أمنها القومي، فكان في البداية الفحم، ثم حلت المصادر التقليدية للنفط والغاز، وأخيرا جاء النفط والغاز الصخري.

لقد تعرضت الولايات المتحدة على مدى تاريخها إلى أزمات اقتصادية حادة كان من بين أشدها وطأة أزمة عام 1973 حين قررت الدول العربية النفطية وقف تصدير النفط الخام للغرب فكان ذلك الحظر النفطي سببا عظيما دفعها إلى التفكير بجدية في متطلبات ضمان عدم تكرار الحظر وتفادي تأثيراته عليها. ويؤكد كثيرون أن الولايات المتحدة خاضت حروبا واشتركت في نزاعات مسلحة خلال العقود الثلاثة الماضية لضمان مصادرها من الطاقة وديمومة موقعها الاقتصادي القيادي العالمي. كما أنفقت الإدارات الأميركية المتلاحقة والشركات مئات المليارات من الدولارات لتطوير التقنيات وإنجاز البحوث والدراسات المتعلقة باستغلال مصادر الطاقة المتجددة (الرياح، الطاقة الشمسية، وطاقة الأمواج المائية)، إضافة إلى تعزيز استخدام الوقود الحيوي. ومن جانب آخر، عكفت الشركات النفطية ومراكز البحوث والدراسات والجامعات إلى تطوير وسائل وتقنيات التنقيب عن النفط والغاز واستخراج مخزوناتها لضمان الحصول على أكبر إنتاج لأطول فترة زمنية ممكنة. واستمرت الولايات المتحدة في استيراد أكثر من نصف حاجتها من النفط والغاز، كما شجعت شركاتها للاستثمار في الرمال النفطية "رمال القار" إلى جانب الاستثمار في مشروعات لاستغلال "النفط الثقيل" وكذلك التنقيب عن النفط والغاز في القارة القطبية.

وواصلت الولايات المتحدة حرصها على ضمان استمرار إستراتيجيتها في مجال الطاقة حتى تفجرت "ثورة الغاز الصخري" قبل سنوات قليلة، هذه الثورة التي لا تقل أهمية في تاريخها الاقتصادي عن ثورة استقلالها عن بريطانيا، وقد تؤدي إلى تحقيق استقلالها عن دول الشرق الأوسط النفطية. لقد قلبت ثورة الغاز الصخري كافة الموازين وخالفت كل التوقعات السابقة بالنسبة إلى مصادر الطاقة. وبرزت خلال السنوات الأربع الماضية ريادة الشركات الأميركية في طرق تحديد مكامن الغاز الصخري والتنقيب عنه واستخراجه، وستبقى على مدى سنوات طويلة قادمة قائدة العالم في هذا المجال التقني المتطور.

لقد دفعت ثورة الغاز الصخري الولايات المتحدة للتخلي "عمليا" عن كثير من ثوابتها البيئية ومطالباتها بتفادي التغييرات المناخية والحد من انبعاث الكربون، فبعد أن كانت تروج للغاز الطبيعي بأنه أفضل للبيئة، تحولت لترويج "الغاز الصخري" و"النفط الصخري" رغم أن أساليب استخراجهما يمكن أن تكون ملوثة للبيئة. وتؤكد الولايات المتحدة أن هدفها هو العمل على زيادة المعروض وتفادي شحة الإنتاج والمخزون، مما دفعها إلى الإعلان عن توقعات بزيادة كبيرة في إنتاجها من النفط والغاز خلال العقدين القادمين بما يمكنها من تحقيق الاكتفاء الذاتي من مصادر الطاقة بل ويخلق القدرة لديها على تحقيق صادرات أكبر من الغاز، مما يؤكد -إن تحققت تلك التوقعات- أنها ستتحول إلى مصدر صاف للغاز بحلول العام 2016.

وأكدت إدارة المعلومات الأميركية أن استيراد النفط والغاز والطاقة المتجددة كان في العام 2007 يمثل 29% من حاجاتها الكلية للطاقة. في حين مثلت كميات استيراد النفط والغاز والطاقة المتجددة في العام 2011 نسبة 19% من حاجتها. كما توقعت أن يزيد إنتاج الغاز الطبيعي المسال على الطلب المحلي في العام 2020. لقد كان قطاع الطاقة الأميركي في العام 2008 يعاني من ركود عظيم، ولكن ثورة الغاز الصخري حققت مكاسب للاقتصاد الأميركي، حيث تم استثمار المليارات من الدولارات إلى جانب خلق الآلاف من فرص العمل وتطوير إمكانات الابتكار والإبداع. ويتوقع أن تحوّل هذه الثورة التي حصلت في مجال مصادر الطاقة منشآت وموانئ أميركية ضخمة أقيمت لاستيراد الغاز الطبيعي إلى منشآت لتصدير الغاز الأميركي. كما بدأت هجرة معاكسة للوظائف في مجال النفط والغاز من الصين إلى الولايات المتحدة، ما يؤشر إلى بدء إعادة تشكيل قطاع وصناعة الطاقة الأميركي ويؤكد مبدأ توفير مصادر الثروة إلى جانب تكاليف استخراج مقبولة تجاريا لتحقيق مستويات عالية من المصادر غير التقليدية من النفط والغاز. ولقد ارتفعت تقديرات احتياطيات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي بنسبة 35% عما كانت عليه قبل سنتين فقط. وفي العام 2010 ارتفعت تقديرات مخزونات الغاز الصخري خمسة أضعاف عما كانت عليه في العام 2006. ويمثل الغاز الصخري حاليا 23% من إنتاج الغاز في الولايات المتحدة.

استخراج الغاز الصخري

الغاز الصخري هو غاز طبيعي يستخرج بطرق دقيقة ومعقدة، ويتم استخدام تقنيات حديثة ومتطورة جدا لاستخراج الغاز الطبيعي غير التقليدي من طبقات الصخور الزيتية (السجيل الصخري) تتضمن تقنيات الحفر الأفقي وتشقيق الصخور بالسوائل. وتمتاز هذه التقنيات بالدقة والكفاءة العالية مما أدى إلى خفض تكاليف الإنتاج إلى درجة تدفع البعض للاعتقاد -رغم عدم وجود أرقام موثقة- أن تكاليف مشروعات استخراج الغاز الصخري تكون أحيانا أقل من تكاليف مشاريع استخراج الغاز الطبيعي التقليدي. ويتم استخدام الضغط العالي للمياه المخلوطة برمال ومواد كيمياوية لتشقيق وتكسير الصخور الغنية بالغاز في أعماق تتجاوز الكيلومتر. وتؤكد تقارير تتعلق بعمليات استخراج الغاز الصخري من خلال عملية التشقيق الهيدروليكي أن ذلك يحتاج إلى حوالي خمسة ملايين غالون من الماء لكل بئر، إضافة إلى ضرورة التخلص من المياه المستخدمة حيث تواجه الشركات مشكلات تتعلق بالمياه المستخدمة في استخراج الغاز الصخري وأساليب التخلص منها أو معالجتها.

"الغاز الصخري" في أروقة السياسة الأميركية

لقد تحولت مسألة الغاز الصخري إلى قضية إستراتيجية في طروحات الحزبين الجمهوري والديمقراطي بالولايات المتحدة وكان ذلك واضحا ضمن حملات المتنافسين في الانتخابات الأميركية الأخيرة حين أكد المرشح الجمهوري ميت رومني قائلا: إن فزت بالانتخابات فسأطبق سياسات تهدف إلى خفض اعتماد أوروبا على مصادر الغاز الروسية". وهو بذلك يعني توفير الغاز الأميركي لسد حاجة أوروبا.

أما الرئيس باراك أوباما الديمقراطي فقال"إن الولايات المتحدة تستطيع تطوير إمدادات للغاز الطبيعي لمائة سنة قادمة، وهي احتياطيات قابعة تحت أقدامنا تستطيع خفض إمداداتنا من النفط بمقدار النصف بحلول 2020 وخلق أكثر من 600 ألف وظيفة في قطاع الغاز وحده". وفي حديث خص به مجلة التايم الأميركية قال الرئيس أوباما: "إن جهودنا فيما يتعلق بالغاز الطبيعي والنفط ستتيح لنا حرية أكبر للتحدث مع الشرق الأوسط الذي نريد أن نراه، والعالم الذي نود أن نراه". وذلك يدفع للاعتقاد بأن العلاقات الأميركية العربية التي كانت تحكمها مصالح النفط بالدرجة الأولى ستتغير في المستقبل من سياسة الحاجة الأميركية إلى النفط إلى سياسة المنافسة في تصديره، مما سيعيد ترتيب تلك العلاقات على أسس جديدة. وأكد تقرير أعدته أعلى هيئة استشارية أميركية للشؤون الاستخبارية الإستراتيجية أن بلوغ الولايات المتحدة مرحلة تلبية حاجاتها من الطاقة ذاتيا سيجعل الإنتاج الأميركي يساهم في إضعاف قدرة منظمة أوبك على التحكم بأسواق النفط. كما ستؤدي زيادة الإنتاج المحلي في الولايات المتحدة من النفط والغاز إلى خفض وارداتها من المزودين الحاليين وهم: كندا، المكسيك، دول في أميركا اللاتينية، المملكة العربية السعودية، ودول في غرب أفريقيا مما سيضطرهم للبحث عن أسواق بديلة. ومن خلال متابعة تصريحات المراقبين والمختصين يمكن رصد آراء مختلفة فقد أكد راندي ولفل الرئيس التنفيذي لشركة نوفا كيميكالز، أن اكتشافات ما يعرف بالغاز الصخري ستحول الولايات المتحدة إلى أكبر منتج للنفط الخام والغاز الطبيعي خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة.

لكن سيرغي كومليف -رئيس قسم عقود التصدير والتسعير في شركة غاز بروم الروسية- يعتقد أن الولايات المتحدة لن تستطيع تصدير الغاز بكميات وفيرة تفي بمتطلبات الغاز الأوروبية، وأن الأسعار المتدنية للغاز في الولايات المتحدة لن تدوم طويلا. أما جيمس ديمر نائب رئيس باس غلوبل، وهي مؤسسة استشارية، فإنه يعتقد أن استخراج الغاز يكلف حاليا أكثر من السعر الذي يباع به في الأسواق، ويتوقع توقف الاستثمارات في قطاع الغاز الصخري في نهاية الأمر وبالتالي ارتفاع سعر الغاز مجددا. أما جاك غيرارد رئيس معهد البترول الأميركي فأكد أن الولايات المتحدة "تمر بنقطة تحول عظيمة في تاريخها وستعيد من خلالها تنظيم محاور الطاقة نحو الغرب ونحو سيطرتها".

إنتاج أميركا من النفط والغاز

كشفت إدارة معلومات الطاقة الأميركية الحكومية في أحدث تقرير لها أن إنتاج النفط الخام في الولايات المتحدة قفز متخطيا مستوى سبعة ملايين برميل يوميا للمرة الأولى منذ مارس/آذار 1993. أما إدارة معلومات الطاقة فإنها توقعت في أحدث تقرير لها أن إنتاج النفط الخام في الولايات المتحدة سيرتفع نحو 25% في العامين القادمين وسيقفز العام القادم لأعلى متوسط سنوي منذ 1988. وبشأن توقعات الطاقة في المدى القريب أكدت إدارة المعلومات أن إنتاج الولايات المتحدة سيرتفع في العام الجاري إلى 7.3 ملايين برميل يوميا، وسيزيد إلى 7.9 ملايين برميل يوميا في العام 2014، وتشكل الزيادة الإجمالية 23.4% من الإنتاج في العام 2012.

وتأتي أرقام النمو المذهلة للإنتاج الأميركي بفضل تحرير احتياطيات "النفط المحكمة" واستخدام عمليات التشقيق الهيدروليكية وتقنيات الحفر الأفقي.. فالنفط الصخري يتواجد في صخور رسوبية تحتوي على النفط ويمكن اعتباره بديلا للنفط الخام حيث يمكن تكريره إلى غازولين، كيروسين ووقود طائرات ووقود الديزل. وتتركز مكامن النفط الصخري في الولايات المتحدة في مناطق شمال داكوتا وفي ولاية تكساس كما تم تحديد مخزونات منه في ولايات أخرى. ومن الجدير الإشارة إلى أن مناطق ومكامن النفط التقليدية في الولايات المتحدة متفرقة وبعيدة عن مراكز وجود محطات التكرير ما يجعل إيصالها إلى الأسواق صعبا حاليا وذلك الذي جعل أسعار خام غرب تكساس تقل كثيرا عن أسعار خام برنت ما دفع الولايات المتحدة لبذل محاولاتها للتغلب على ذلك بإنشاء خطوط وشبكات نقل للنفط.

وما يتعلق بصادرات الغاز فرغم وجود قرار أميركي بمنع تصدير النفط الخام والذي تسبب في الحد من إنتاج النفط في الولايات المتحدة فإن صادرات الغاز الأميركية لا تحتاج إلى موافقات من وزارة الطاقة إلا في حالة التصدير لبعض الدول القليلة. ولقد وافقت وزارة الطاقة على زيادة كميات تصدير الغاز الأميركي، ولكن المشكلة تكمن في أن الأسواق الأوروبية تشتري الغاز الأميركي بأسعار أعلى بكثير من أسعار بيعه في السوق المحلي الأميركي، ما يجعل الأسواق المحلية عرضة لتأثيرات أسعار التصدير.

تنافس روسي أميركي أسترالي

من المؤكد أن التكنولوجيا المتطورة ستحدث تغيرات كبيرة في أسواق الغاز في العالم، بعد النجاح الذي حققته في تغيير سوق الولايات المتحدة. وستنتقل آثارها من الولايات المتحدة إلى روسيا والصين وأستراليا وسائر الدول التي تتوفر لديها مخزونات من الغاز الصخري. ويتوقع البعض حاليا حدوث ما كان غير محتمل في الماضي، وهو أن تكتفي الولايات المتحدة ذاتيا، وأن تكون روسيا أول الخاسرين. ولا يخفي البعض شكوكهم بأن موسكو تمول بصورة سرية حملة مضادة للسياسات الإستراتيجية الغربية المتعلقة بالغاز. وتقول فيونا هل المختصة بالشؤون الروسية بمعهد بروكنغز الاستشاري الأميركي "إن عهد سيطرة روسيا على أسواق الغاز الأوروبية قد ولى".

وقال تقرير صدر عن كلية كينيدي للإدارة الحكومية بجامعة هارفرد الصيف الماضي "إن مستقبل الولايات المتحدة وروسيا والصين وقدرة كل منها على التأثير في العالم مرهون بصورة أساسية بالتطورات المتعلقة بالغاز". ويذكر أن روسيا اعتادت على بيع كميات كبيرة من الغاز لأوروبا والدول الأخرى بسعر يصل إلى نحو عشرة دولارات لكل مليون وحدة حرارية، في وقت يتم فيه بيع نفس الكمية حاليا في أسواق الولايات المتحدة بنحو ثلاثة دولارات. وقد استرعى هذا الفرق اهتمام شركات الطاقة والسياسيين على حد سواء، وبدأت الحكومات الأوروبية تضع إستراتيجية لخفض إمدادات الغاز الروسية. أما أستراليا وعلى صعيد إنتاج الغاز الطبيعي فهي تستثمر في سبعة مشاريع (ثلاثة مشاريع بهدف التصدير) من بين أكبر 10 مشاريع لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم وتبلغ قيمة الاستثمارات (أسترالية وأجنبية) 183 مليار دولار أميركي في مشاريع للغاز منذ 2007.

ويتوقع اتساع رقعة الحاجة للغاز الطبيعي المسال بسرعة في حين تشهد الدول النامية ازدهارا اقتصاديا وتستخدم الغاز لإنتاج الطاقة الكهربائية. ويتوقع بعض المحللين أن تتفوق أستراليا على قطر التي تملك ثالث أكبر احتياطي للغاز في العالم، بحلول العام 2020 لكنها ستواجه منافسة شديدة من الولايات المتحدة ومن بعض الدول الأفريقية المنتجة للغاز الطبيعي. ورغم أن البعض يجادل بأن "الغاز الطبيعي أصبح أفضل خيار للاقتصادات الناشئة بسبب تنوعه وانخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون مقارنة مع الموارد الأخرى" ولكن السؤال الأهم هل ذلك يشمل "الغاز الصخري" أيضا؟

"الغاز الصخري" في أوروبا

لقد أدى ارتفاع إنتاج الغاز الصخري في الولايات المتحدة إلى إعادة تشكيل أسواق الغاز العالمية كما شجع عددا من الدول كالصين وأستراليا والأرجنتين على تطوير احتياطياتها من الغاز الصخري. ويعتبر إنتاج الغاز الصخري خارج الولايات المتحدة حاليا محدودا، جدا ولا يتوقع أن يتم استخراج كميات تجارية منه قبل حلول العام 2020. وفي أوروبا تم تحديد مواقع احتياطيات الغاز الصخري كما في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وبولندا ورومانيا وإسبانيا والسويد وسويسرا والمملكة المتحدة. وبدأت الدول الأوروبية المنتجة للغاز الطبيعي تقييما جديا لخياراتها بشأن إنتاجها وصادراتها.

وكانت عمليات استخراج الغاز الصخري قد منعت سابقا في بولندا وفرنسا وايرلندا وفي أجزاء من ألمانيا. وتقود بريطانيا حاليا الاستثمارات في مجال الغاز الصخري تليها ألمانيا، فرنسا، إسبانيا ومن ثم بولندا. ويحذر مختصون من أن عملية استخراج الغاز الصخري تتسبب في مخاطر بيئية وصحية من خلال تلويث المياه الجوفية وتلويث الهواء إضافة إلى إمكانية خلق أوضاع جيولوجية تتسبب في حدوث هزات أرضية إلى جانب التسبب في التأثيرات المناخية. ويشكك البعض بمدى توافق التقنيات الجديدة لاستخراج الغاز الصخري مع الضوابط البيئية المطبقة والعمول بها ما أثار رفضا شعبيا في بعض الدول لمشروعات استثمار الغاز الصخري فيها.

من الرفض إلى القبول

في العام 2011 قال وزير الطاقة البريطاني كريس هون: "يجب فطام الاقتصاد البريطاني عن النفط والبحث عن بدائل"، وطالب بتنمية مصادر الطاقة النظيفة والصديقة للبيئة. أما رئيس الوزراء ديفيد كاميرون فأعلن في وقتها "خطة الكربون" لتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية. ورفضت الحكومة البريطانية الاستمرار في مشروعات التنقيب عن "الغاز الحجري" بعد أن تسببت في حدوث هزات أرضية خفيفة وادعاءات بتلوث المياه الجوفية وقررت إيقافها. ولكن الحكومة الائتلافية فجرت مفاجأة قبل نهاية العام 2012 حين وافقت على إقامة مشروعات لاستخراج الغاز الصخري. وتواجه عمليات استخراج الغاز الصخري في بريطانيا معضلة الكثافة السكانية العالية ما يصعب العمليات التي تحتاج إلى حفر آبار عديدة حتى لو تم ذلك باستخدام عمليات الحفر الأفقي. كما تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه التي قد لا تتوفر باستمرار. وتقدر دائرة المسح الجيولوجي مخزونات الغاز الصخري في بريطانيا بأكثر من 5.2 تريليون قدم مكعب (150 مليار متر مكعب) وذلك يمثل 50% أكثر من مخزونات الغاز التقليدية.. ولكن ليس معروفا الكميات التي يمكن استخراجها فعليا. ورغم وجود احتياطيات من الغاز الصخري إلا أن المراقبين لا يتوقعون تراجع أسعار الغاز في بريطانيا بشكل مشابه لما شهدته الولايات المتحدة. أما في أوكرانيا فتنشط شركات عالمية في عمليات التنقيب عن الغاز الصخري بهدف تقليل الاعتماد على الغاز الروسي ويتوفر لدى أوكرانيا رابع أكبر مخزون من الغاز الصخري في أوروبا بعد بولندا وفرنسا والنرويج.

مستقبل "النفط والغاز الصخري"

لقد ساهمت "ثورة النفط والغاز الحجري" في تفنيد نظرية "ذروة إنتاج النفط والغاز" التي كانت تثير قلق الدول المنتجة والمستهلكة في العالم على حد سواء، من خلال اعتقاد البعض أن إنتاج النفط والغاز قد وصل ذروته، وأن تراجع المخزونات والاحتياطيات أمر لا مفر منه بل إنه قد بدأ فعليا. وجاءت زيادة الاستثمارات في قطاع النفط والغاز الحجري على حساب تطوير وإقامة مشروعات الطاقة المستدامة حيث تراجعت وتيرة الاندفاع الأميركي والغربي نحو تنمية مصادر "الطاقة النظيفة". كما تسببت ثورة الغاز الحجري في تراجع اندفاع الشركات للتنقيب عن مكامن النفط والغاز في القارة القطبية وتسببت ذات الثورة أيضا في تراجع الاستثمارات في مشروعات الوقود الحيوي.

ويؤكد خبراء أن "ثورة النفط والغاز الصخري" تضع ضغوطا على الأسعار. وشهد مؤتمر النفط والمال الذي عقد مؤخرا في لندن جدالا واسعا حول التوقعات المتعلقة بمستقبل النفط والغاز الصخري. وقال كريستوف دو مارجري رئيس مجلس إدارة شركة توتال "إننا نواجه ثورة من أميركا الشمالية". أما مايك دالي -أحد مسؤولي شركة بي بي النفطية البريطانية فقال: إن شركات النفط تنفق حاليا تسعين مليار دولار سنويا على عمليات التنقيب، بالمقارنة مع عشرين مليار دولار قبل خمس سنوات، بينما يذهب أكثر من نصف الإنفاق الحالي على إيجاد مصادر غير تقليدية للطاقة مثل النفط والغاز الصخري. أما الأمين العام لمنظمة أوبك عبد الله البدري فإنه يرى أن إنتاج "الغاز الصخري" لن يحظى بمساهمة كبيرة في سوق الطاقة، وحذر من أن توقعات وكالة الطاقة بأن تصبح الولايات المتحدة أكبر منتج للطاقة في العالم ستؤدي إلى هبوط الاستثمارات في الدول المنتجة الأخرى.

وطبقا لتوقعات وكالة الطاقة الدولية التي تمثل الدول الصناعية الرئيسية في العالم فإن الطلب في العالم على الغاز سيزداد بنسبة 50% في عام 2035، وستتم تلبية نصف الزيادة من مصادر الغاز غير التقليدية خاصة في الولايات المتحدة وأستراليا والصين.

شكوك بشأن ديمومة "الغاز الصخري" الأميركي

رغم أن استثمار "الغاز الصخري" في الولايات المتحدة ساهم في إعادة رسم خارطة قطاع الطاقة في العالم إلا أنه قد يواجه مشكلات تتسبب في تراجعه في المستقبل ومنها:

· أولا: استمرار الأسعار المنخفضة لبيع الغاز في الولايات المتحدة مما يدفع الشركات لخفض عدد الآبار المخصصة لاستخراج الغاز الصخري، وتؤكد إحصائية نشرت في مايو/أيار 2012 أن عدد الآبار العاملة انخفض بنسبة 30% عما كان عليه قبل عام من ذلك التاريخ، وهذا يدفع للاعتقاد بعدم استمرار ثورة الغاز الصخري في الولايات المتحدة لسنوات طويلة.
· ثانيا: تصاعد الشكوك بشأن التأثيرات البيئية لعمليات استخراج الغاز الصخري والتي تتوضح من خلال زيادة الاعتراضات الشعبية عبر حملات رفض تقوم بها منظمات أميركية غير حكومية تطالب فيها بوقف عمليات استخراج الغاز الحجري وإجبار الشركات على الإعلان عن التفاصيل والمكونات الكيمياوية للمواد المستخدمة فيها والتي تهدد بتلويث البيئة، وذلك يشير إلى ابتعاد الولايات المتحدة عن التزاماتها المتعلقة بالتغييرات المناخية وتفادي ظاهرة الاحتباس الحراري.
· ثالثا: أسواق الغاز الصخري الأميركية التي في مقدمتها الأسواق الأوروبية والتي تمتاز بأسعار مرتفعة تدفع المنتج الأميركي لتفضيل التصدير على البيع في الأسواق المحلية الأميركية (السعر يصل أحيانا إلى 4 أضعاف).
· رابعا: قد يتسبب الغاز الصخري في خفض اعتماد الولايات المتحدة على نفط وغاز الشرق الأوسط ما سيؤدي إلى تراجع المصالح الأميركية في المنطقة وهذا ما يعترض عليه كثيرون من السياسيين والاقتصاديين الأميركيين.
· خامسا: هنالك دعوات من الصناعيين الأميركيين تطالب الإدارة الأميركية بوقف تصدير الغاز من أجل سد حاجة الطلب المحلي والمحافظة على أسعار منخفضة. ولكن المختصين يؤكدون أن الأسواق وليست الحكومة من لديها السلطة على إقرار جهة وسوق بيع الغاز الأميركي.

"ثورة الغاز الصخري" هل تعرض أسواق الطاقة في الشرق الأوسط لانخفاض الطلب؟

لقد أطلقت وكالة الطاقة الدولية تسمية "العصر الذهبي للغاز" على الفترة الحالية التي جاءت معها دلائل على ارتفاع إنتاج الغاز غير التقليدي (الصخري) في الولايات المتحدة وتوقعات بمخزونات كبيرة منه في دول أخرى. ورغم أن الغاز الطبيعي يمثل أحد المحاور الرئيسة لصناعة الطاقة في العالم ولكن في ظل استمرار ركود الاقتصاد العالمي صار البعض يتوقع تراجع نشاطه حتى يعود للنمو مجددا، وذلك يجعل الدول المنتجة للنفط والغاز في منطقة الشرق الأوسط عرضة لتراجع الطلب وبالتالي تأثر إنتاجها ما يدفعها لإعادة النظر في برامجها وخططها الاقتصادية متوسطة وبعيدة المدى.

وكمثال على ذلك التأثير وإمكانية تفاديه قررت الجزائر وهي رابع أكبر مصدر للغاز في العالم، تطوير مصادر الغاز الصخري فيها. وأكدت مصادر جزائرية أن احتياطيات الغاز الصخري تصل إلى ستمائة تريليون قدم مكعب (17 تريليون متر مكعب) أي نحو أربعة أضعاف احتياطياتها الحالية المعلنة من الغاز. وقد وقعت شركة النفط والغاز الجزائرية (سوناطراك) اتفاقيات مع شركات عالمية لتطوير مصادر الغاز الصخري.. ويناقش البرلمان الجزائري قانونا جديدا للطاقة يشجع عمليات البحث عن مصادر أخرى للغاز والنفط (النفط والغاز الصخري).

أما قطر التي تعتبر في مقدمة منتجي الغاز في الشرق الأوسط والعالم والتي تشترك بأكبر مكمن للغاز الطبيعي مع إيران فإنها تعول على إقامة مشروعات مشتركة وكذلك المساهمة في مشروعات دولية تتضمن شبكات لنقل الغاز الطبيعي عبر دول الشرق الأوسط إلى جنوب أوروبا وتوسيع أسواق الغاز الطبيعي مع زيادة الطلب في ظل توقعات بخروج الاقتصاد العالمي من الركود. ويبقى الغاز الأميركي قليل التأثير عليها بالنظر لاختلاف أسواقهما وموقعها الجغرافي الذي يدفع إلى تفضيل إنتاجها في دول جنوب وشرق آسيا حاليا ودول جنوب وشرق أوروبا مستقبلا.

أما السعودية وهي أكبر بلد مصدر للنفط في العالم فتسعى لتعزيز إنتاجها من الغاز الطبيعي الذي تحتاجه لتلبية طلب محلي متسارع على الكهرباء ولتغذية صناعة البتروكيماويات ذات الأهمية الإستراتيجية. وتشهد السعودية جهودا مبرمجة لتطوير إنتاجها من النفط والغاز حيث قررت تطوير حقل مدين للغاز الطبيعي في البحر الأحمر خلال العام الجاري (اكتشف في الثمانينيات لكن لم يجر تطويره). وسيبدأ الإنتاج خلال فترة قصيرة لإمداد محطات الكهرباء بالغاز بدلا من الديزل إضافة إلى تزويد مناطق صناعية بالكهرباء والغاز.. كما تعمل السعودية على الاستثمار في إقامة محطات لتكرير النفط الخام لسد حاجة الطلب المحلي ولضمان أسواق أوسع لتصدير نفطها الخام مستقبلا.

أما الكويت التي بدأت باستيراد الغاز الطبيعي في العام 2009 لتلبية الطلب المتزايد، وتدرس حاليا استيراد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة لتلبية احتياجاتها لتشغيل محطات الكهرباء وتحلية المياه فإنها تخطط لمضاعفة إنتاجها من الغاز أربعة أضعاف تقريبا ليصل إلى أربعة مليارات قدم مكعبة يوميا بحلول العام 2030.

وأما إيران التي عملت على تطوير صناعة الغازفإنها تتعرض لعقوبات دولية أثرت بشكل ملحوظ على قطاع النفط والغاز فيها مما يزيد صعوبات تسويق إنتاجها خاصة وأن أغلب الدول المتعاملة معها قد التزمت بالعقوبات الدولية وتمكنت من إيجاد مصادر بديلة.

إستراتيجية لمواجهة التحديات

استنادا لدراسة حديثة فإن النفط يمثل 40% من مصادر الطاقة في العالم، يليه الغاز ويمثل 25%، أما الفحم فيمثل 15%، وتمثل مصادر الطاقة النووية 8%، أما مصادر الطاقة المتجددة فتمثل 7.5%. وسيشهد العالم تراجعا ملموسا في استخدام مصادر الطاقة النووية بعد أن قررت اليابان وألمانيا وسويسرا الاستغناء نهائيا عن المفاعلات النووية لإنتاج الطاقة بعد كارثة مفاعل فوكوشيما في اليابان قبل عامين. وأعلنت اليابان أنها ستتوقف عن استخدام الطاقة النووية في توليد الكهرباء بعد العام 2020 ما يجعلها أكبر مستورد للغاز الطبيعي في العالم وثالث أكبر مستورد للنفط.

وتنبئ التوقعات بزيادة الطلب على مصادر الطاقة في العام 2015 وفي مقدمتها زيادة كبيرة في الطلب الصيني بمقدار الثلث) وزيادة أكبر في الطلب الهندي (3 أضعاف) وكذلك الطلب الآسيوي عموما، وذلك يشير إلى الحاجة لتطوير مشروعات النفط والغاز في الدول العربية المنتجة للنفط والغاز لتحقيق زيادة قدراتها التنافسية وتوفير أسواق لإنتاجها ما يمكنها من ضمان مصادر مالية هي الأهم في ميزانياتها وخططها التنموية، وذلك يحتم إقرار برامج وسياسات إستراتيجية تأخذ بالاعتبار تنوع الأسواق وتعدد العوامل المؤثرة فيها خلال السنوات العشرين القادمة على أقل تقدير ويتحقق ذلك من خلال:

· توجيه الاستثمارات لتطوير مشروعات النفط والغاز الحالية والجديدة إضافة إلى الاستثمار في الأساليب التكنولوجية المتقدمة بما يضمن أكبر إنتاج بأقل كلفة، هنا لابد من التأكيد على أن كلفة الاستخراج في الدول العربية المنتجة للنفط تعتبر الأقل بين كل دول العالم وهذا عامل مهم يلعب دورا كبيرا في ضمان التأثير على الأسواق.
· الاستثمار في مشروعات البنى الارتكازية وشبكات نقل النفط والغاز، وطرق النقل والمواصلات لربط مناطق التنقيب المجدية لتيسير إيصال الإنتاج إلى الأسواق العالمية.
· تشجيع الاستثمار في محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالغاز وبالتالي ضمان وجود أسواق لبيع الإنتاج.
· عقد اتفاقات مع شركات عالمية لتطوير مكامن نفط وغاز في مناطق أخرى من العالم ما يساهم في خلق مصالح وسياسات إنتاجية وتسويقية مشتركة.
· المساهمة في شراء شركات إنتاجية في مختلف دول العالم (كما هو عرض شركة غازبروم الروسية قبل أيام لشراء أكبر شركة يونانية حكومية لاستخراج الغاز) ما يعزز دور الدول المنتجة حاليا ومستقبلا.
· المساهمة في إقامة شبكات نقل نفط وغاز دولية مما يدفع للتنسيق مع الدول المنتجة الأخرى لضمان توفر الأسواق.
· إقامة محطات لتكرير النفط الخام لسد الحاجة المحلية للمنتجات المكررة وتقليل استيرادها.
· المساهمة في إنشاء محطات تكرير في الدول المستهلكة لضمان الحاجة للنفط والغاز.
· العمل على تعزيز التنسيق ووحدة المواقف بين الدول المنتجة من داخل وخارج أوبك من جهة والدول المستهلكة من جهة أخرى، كما كان التنسيق واضحا وناجحا في تحييد العامل الجيوسياسي المؤثر على أسعار النفط نتيجة تراجع إنتاج النفط الإيراني.
· دعم المنظمات والمؤسسات البيئية الدولية التي تعمل على تحقيق التزام صناعة النفط والغاز بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية وتلبية شروطها في مجال البيئة والمحافظة عليها.

وأخيرا لابد من التأكيد على أن الولايات المتحدة الأميركية حتى لو تمكنت من تحقيق الاكتفاء الذاتي من النفط والغاز (وهذا ليس مؤكدا) فإن اقتصادها سيبقى تابعا وعرضة للتأثر بأداء الاقتصادات الأخرى كالصين واليابان والهند وروسيا والدول الناشئة الأخرى وحاجاتها لمصادر الطاقة من النفط والغاز ما يجعل الدول المنتجة للنفط والغاز تحتفظ بدورها وتأثيرها ليست كدول منتجة لمصادر الطاقة فقط ولكن لكونها أسواقا لا يمكن الاستغناء عنها أبدا.
_________________________________________
د.مصطفى البزركان - مستشار في شؤون النفط والغاز






التوقيع



يحتاج الإنسان إلى سنتين ليتعلم الكلام وخمسين ليتعلم الصمت
إرنست همنغواي
رد مع اقتباس
قديم 25-02-2013, 06:56 PM رقم المشاركة : 69
معلومات العضو
kumait
عضو برونزي

الصورة الرمزية kumait

افتراضي التعصب يعرّض أوروبا للخطر!

التعصب يعرّض أوروبا للخطر!
أوبن ديموكراسي وبنجامين ورد - الترجمة

ربما من الأفضل أن ننظر إلى تلك الحوادث باعتبارها معزولة أو غير متداخلة أو ناجمة عن أحداث محلية. لكنّ الحقيقة أكثر مرارة: يبدو أن مشاعر الكراهية والتعصب تزداد ترسخاً في أوروبا....تظهر ملامح التعصب في أوروبا عبر دعم الأحزاب المتطرفة وأعمال العنف والتمييز ضد الأقليات والوافدين. بدل معالجة المشكلة من أساسها، غالباً ما يستخف قادة أوروبا بالمشكلة أو يلومون الضحايا. لكن لا بد من اتخاذ خطوات مكثّفة لوقف العنف والتمييز وتقليص النفوذ المدمّر الذي تمارسه الأحزاب العنصرية، لكن من دون الحد من حرية التعبير والتجمع....في عدد من الدول الأوروبية، تشكل الأحزاب المتعصّبة التي تطبق سياسات عنصرية ومعادية لتوافد المهاجرين والأقليات جزءاً من المشهد السياسي. تتفاوت البرامج التي تطرحها تلك الأحزاب، إذ يتناسب بعضها مع أجندة الأحزاب اليمينية المتشددة التقليدية. لكنها تعرّف عن نفسها في أغلب الأحيان عبر التشديد على معارضتها القوية لجماعات معينة، مثل المسلمين والوافدين (لا سيما بين الجماعات في أوروبا الغربية) ومجموعات «روما» (في شرق أوروبا).*****دخل حزب «الفجر الذهبي» النازي الجديد إلى البرلمان اليوناني في شهر يونيو بعد أن حصد 7% من تصويت الشعب. في فرنسا، حصدت «الجبهة الوطنية» 18% تقريباً من الأصوات في أبريل 2012 خلال الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية. وفي هولندا، تسبّب «حزب الحرية» بانهيار الحكومة في أبريل 2012 بعد أن سحب دعمه للائتلاف الحاكم (مع أنه خسر تفوّقه في الانتخابات في شهر سبتمبر). حتى الفترة الأخيرة، كانت الأحزاب المتطرفة جزءاً من الحكومات الائتلافية في إيطاليا وسويسرا، وفي النمسا سابقاً. حصدت أحزاب مماثلة مكاسب مهمة في الدنمارك والسويد وفنلندا وحققت النجاح في انتخابات البرلمان الأوروبي في عام 2009 في هنغاريا والمملكة المتحدة وأماكن أخرى.

تشير دراسة من إعداد معهد «تشاتام هاوس» في عام 2011 إلى أن دعم تلك الأحزاب هو نزعة قديمة وهو يسبق التراجع الاقتصادي في معظم الحالات. صحيح أن بعض الدول الأوروبية تشهد نجاح الأحزاب اليمينية المتطرفة منذ فترة طويلة، لكن تذكر دراسة من إعداد «الشبكة الأوروبية لمناهضة العنصرية» في عام 2012 أن الأحزاب المتطرفة حققت نجاحاً متزايداً في العقد الأخير داخل البلدان التي كانت تحظى فيها تقليدياً بدعم ضئيل في الانتخابات....لا ينحصر الخطاب السياسي المتعصب ضمن الأحزاب المتطرفة. بل يستعمل السياسيون الأوروبيون البارزون عموماً لغة تحريضية أو مشفّرة للتحدث عن الأقليات التي لا تحظى بتأييد شعبي واسع. هم يبررون ذلك الخطاب على اعتبار أن الامتناع عن مناقشة مسائل مثل توافد المهاجرين يولّد مساحة سياسية للأحزاب المتطرفة. لكن بدل إبطال نفوذ الأحزاب المتطرفة، يكون هذا النوع من الخطابات التي يتبناها وزراء الحكومات وكبار السياسيين الآخرين كفيلاً بتشريع آرائها، ما يوجّه رسالة إلى الناخبين مفادها أن مظاهر كره الأجانب ومعاداة المسلمين أو مجموعات «روما» هي أمور مقبولة بدل أن تكون مواقف مخجلة.*****سمع فريق عمل منظمة «هيومن رايتس ووتش» نائباً يونانياً من حزب بارز وهو يصف الوافدين بـ»الصراصير» خلال جلسة استماع حول أعمال العنف ضد الوافدين أمام اللجنة البرلمانية اليونانية في شهر نوفمبر...قال سيلفيو برلسكوني حين كان رئيس الوزراء الإيطالي في يناير 2010 إن «تخفيض عدد الأجانب في إيطاليا يعني تراجع عدد الأشخاص الذين ينخرطون في صفوف المجرمين». في عام 2010، برر وزير الداخلية الفرنسي حينها تفكيك مجموعات «روما»، مؤكداً على أنها مصدر «الاتجار غير المشروع، واستغلال الأطفال ودفعهم للتسول، والدعارة، أو الانحراف»، بينما أدلى وزير الخارجية الروماني بتصريحات علنية تشير إلى أن مجموعات «روما» قابلة وراثياً لارتكاب الجرائم. في السنة نفسها، ألقت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خطاباً مهماً لإخبار الوافدين في ألمانيا بما يلي: «نحن مرتبطون بالقيم المسيحية. كلّ من يرفضها لا مكان له هنا» (مع أنها عدّلت لهجتها في عام 2012 واعتبرت أن المسلمين جزء من ألمانيا)...مثلما يعكس أبرز السياسيين أحياناً الآراء المتعصبة التي ترتبط بالأحزاب المتطرفة عموماً، تشير بعض الأدلة إلى أن تلك الآراء تحظى بإجماع واسع ولا تنحصر في إطار الناخبين الذين يصوتون للأحزاب المتطرفة فقط. وفق بيانات الاقتراع في «مؤسسة فريدريش إيبرت» في عام 2010، تبين أن نصف المشاركين في الانتخابات في ثماني دول من الاتحاد الأوروبي (بما في ذلك فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة) يتقاسمون الرأي القائل إن عدد الوافدين أصبح مفرطاً في بلدانهم، وقد استنتج أكثر من 40% منهم الأمر نفسه في ما يخص المسلمين تحديداً.

تنتشر مظاهر معاداة السامية ومجموعات «روما» على نطاق واسع أيضاً. في هنغاريا، قال 68% من المشاركين في استطلاعات الرأي في ديسمبر 2012 إنهم لن يسمحوا لأولادهم بمصادقة أطفال ينتمون إلى مجموعات «روما». كانت أعداد الذين يعارضون أي صداقة بين أولادهم والأولاد الأفارقة واليهود أدنى بقليل (58% و46% على التوالي)، لكن تبقى النسبة مقلقة جداً كونها تشير إلى انتشار الأحكام المسبقة ضد مجموعات «روما» والوافدين والسامية. سجلت السلطات الألمانية والسويدية والبريطانية أعداداً كبيرة من الحوادث المعادية للسامية في عام 2010 وفق أحدث البيانات المتوافرة.

أسباب واعتداءات
ما هو سبب هذا التعصب؟

تشير الأبحاث الأكاديمية إلى أن المخاوف من فقدان الهوية الثقافية والأعمال الإرهابية والجرائم والمنافسة على الموارد الاقتصادية يمكن أن تفسر جزءاً من ما يحدث. قد لا تكون العوامل الاقتصادية المحرك الرئيسي للمشكلة، لكن لن تساعد الأزمة الاقتصادية والمالية في أوروبا وسياسة التقشف الناجمة عنها في تحسين الوضع. يمكن تقييم العواقب عبر ملاحظة تراكم الضغوط وانحصار الفرص المتاحة....في إيطاليا، وثّقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» اعتداءات لم يتم التحقق منها وتنم عن العنصرية وكره الأجانب ضد الوافدين الأفارقة ومجموعات «روما» والإيطاليين من أصل أجنبي، بما في ذلك عنف العصابات. كذلك، وثّقت أبحاثنا مظاهر عنف العصابات ضد مخيمات تعود إلى مجموعات «روما» في نابولي وأعمال شغب دامت ثلاثة أيام ضد العمّال الأفارقة الموسميين في كالابريا. تعرّض رجل إيطالي أصله من بوركينا فاسو للضرب حتى الموت في أحد شوارع ميلانو في عام 2009 بعد عملية سرقة صغيرة لأحد المقاهي. في عام 2010، تعرض رجل إيطالي للضرب في بلدة خارج روما، فسُكب عليه البنزين وأُضرمت النار فيه. وفي نهاية عام 2011، فتح رجل النار على باعة متجولين أفارقة في فلورنسا، ما أسفر عن مقتل شخصين وجرح ثلاثة آخرين...

في اليونان، وجدت أبحاث «هيومن رايتس ووتش» أن فشل السلطات في الرد بالشكل المناسب على الاعتداءات المقصودة ضد الوافدين يفكك نسيج المجتمع. كذلك، وثّقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» أكثر من 50 اعتداءً خطيراً، وقد استهدف اثنان منها نساء حوامل. تعرّض رجل صومالي كان يطلب اللجوء إلى البلد ويعمل كمترجم لصالح منظمة «هيومن رايتس ووتش» للضرب على يد خمسة رجال في أثينا في شهر يونيو، فكسروا يده. ثم تعرض للاعتداء مجدداً في شهر يناير على يد ستة أشخاص ضربوه وركلوه فسببوا له الأذى في أنفه وظهره.

إحصاءات وأرقام

وفق دراسة حديثة من إعداد «وكالة الحقوق الأساسية» في الاتحاد الأوروبي، يعتبر واحد من أصل أربعة أشخاص منتمين إلى مجموعات «روما» (في الجمهورية التشيكية واليونان وبولندا)، أو صوماليين (في فنلندا والدنمارك)، أو أفارقة (في مالطا وإيرلندا)، أنهم اختبروا أعمال عنف ناجمة عن مشاعر الكره أو تعرضوا لمضايقات جدية خلال الأشهر الاثني عشر السابقة....لكن ترفض السلطات الوطنية بشكل متكرر الاعتراف بأن جرائم الكره هي المشكلة الفعلية. حين أصدرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» تقريرنا عن أعمال العنف الناجمة عن كره الأجانب في إيطاليا، أصر مسؤول إيطالي خلال أحد الاجتماعات على أن «الإيطاليين ليسوا عنصريين بطبيعتهم». كذلك، قوبل تقريرنا عن جرائم الكره ضد الوافدين في اليونان بالرد الآتي: «اليونان لديها تاريخ من حسن الضيافة»....غالباً ما تشير الحكومات إلى تراجع عدد جرائم الكره المسجلة ضمن إحصاءاتها الرسمية. وتشير التقارير السنوية عن جرائم الكره في «مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان» التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا إلى تراجع عدد جرائم الكره التي تسجّلها الشرطة أو التي تخضع للمحاكمة في بلدان عدة، بما في ذلك الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. لكن تمتنع الحكومات عن الاعتراف بالفشل المتكرر في جمع بيانات مماثلة والخطأ الشائع بتصنيف الاعتداءات العنصرية مع الجرائم العادية وتردد الضحايا في الإبلاغ عن الاعتداءات ضدهم.

أقليات واستخفاف

إن النزعة إلى الاستخفاف بالمشكلة تشبه طريقة التعامل مع الجماعات اليمينية المتطرفة. في استطلاع حديث لوكالة «يوروبول» شمل 30 قوة شرطة أوروبية، أعلنت 29 قوة عن تراجع تهديد العنف اليميني (ألمانيا كانت الاستثناء). وأكدت الشرطة في خمس دول من الاتحاد الأوروبي، منها اليونان، على عدم وجود أي جماعات يمينية متطرفة ناشطة محلياً.,,لا شك أن أعمال العنف الناجمة عن الكره هي جزء صغير من المشكلة. بالنسبة إلى شريحة واسعة من الأقليات والوافدين، يبقى التمييز في السكن والتعليم والعمل أمراً واقعاً في حياتهم.,,,,,,تشير الأبحاث إلى أن المسلمين وأعضاء مجموعات «روما» يختبرون عدائية دائمة وتمييزاً مستمراً في أنحاء المنطقة. ويواجه الوافدون الأفارقة وغيرهم، فضلاً عن المواطنين الأوروبيين من أصل خارجي، تمييزاً فاضحاً حتى من جانب الشرطة. ينعكس ذلك في البيانات الشاملة التي جمعتها «وكالة الحقوق الأساسية» في عام 2009، وفي عدد من الأحكام التي أصدرتها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ومحكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي، وفي التقارير الوافرة التي تعدّها المنظمات غير الحكومية في أنحاء أوروبا.......الوضع مقلق تحديداً بالنسبة إلى مجموعات «روما»، أكبر أقلية إثنية في أوروبا. يعترف الاتحاد الأوروبي بأن استمرار التمييز والتهميش يستدعي التدخل، وقد طور استراتيجية ووفر التمويل اللازم لتحقيق تلك الغاية. لكن عملياً، تبقى مجموعات «روما» كبش المحرقة في أغلب الحالات إذ يُتَّهم عناصرها دوماً بارتكاب الجرائم والتسبب بالمشاكل الاجتماعية.

يواجه الوافدون المنتمون إلى مجموعات «روما» من شرق أوروبا الإجلاء القسري والطرد في فرنسا وإيطاليا. عند التوجه شرقاً، في هنغاريا ورومانيا وبلغاريا والجمهورية التشيكية وسلوفاكيا، يبدو الوضع أسوأ، إذ يبقى التقدم لإنهاء الإجلاء القسري ومظاهر التمييز في أماكن السكن والمدارس ضئيلاً (هذه المشكلة قائمة في اليونان أيضاً)، وذلك على رغم توفير مئات ملايين اليورو من الاتحاد الأوروبي لتمويل هذا الملف وفرض قواعد مُلزِمة من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان......إن هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان الأساسية تخون القيم التي تريد أوروبا تمثيلها. هي تسبب أيضاً هدراً ضخماً للإمكانات البشرية، إذ يوجد ملايين الأشخاص الذين يستطيعون المساهمة في ازدهار أوروبا ولكنهم لا يستفيدون من خدمات التعليم والوظائف التي يحتاجون إليها لإثبات مهاراتهم.....لتقليص التعصب وعوارضه لا بد من إبداء رد متعدد الوجوه في الاتحاد الأوروبي، على المستويات الوطنية والمحلية.........أول ما يجب أن يفعله القادة على جميع المستويات هو الاعتراف بأن أوروبا لم تعد ودية ومضيافة بالقدر نفسه وأنها تسيء إلى صورتها ونسيجها الاجتماعي من خلال إنكار المشكلة. يجب أن تكون معالجة أعمال العنف الناجمة عن الكره على رأس الأولويات. ويجب أن تمرر كل حكومة قوانين صارمة وفاعلة تتطلب الاعتراف بحصول جرائم الكره وجمع البيانات والأدلة لمحاكمة المعتدين بفاعلية. ثم يجب أن يستعين القادة والمشرّعون بضباط شرطة ونيابة عامة ومحاكم تتمتع بما يلزم من الأدوات والتدريب والدعم السياسي لمقاضاة كل من يرتكب جرائم الكره...يجب أن يحرص المسؤولون أيضاً على تمكين الوافدين غير الشرعيين الذين يكونون الأكثر عرضة لأعمال العنف من طلب المساعدة من السلطات دون الخوف من الاعتقال أو الترحيل. وجدت أبحاث «هيومن رايتس ووتش» في اليونان أنّ الخوف من الاعتقال كان العائق الأساسي الذي يحول دون التبليغ عن الاعتداءات وأنّ بعض ضباط الشرطة هددوا الضحايا بالترحيل إذا أصروا على تقديم الشكاوى.

يجب أن تفرض الدول الأوروبية أيضاً تدابير عامة لمحاربة التمييز ضد الأقليات والوافدين، مع الحرص على ألا تميّز سياساتها بين الناس في القانون والممارسة. ويجب أن تفعّل التشريعات ضد التمييز عبر إنشاء هيئات ومحاكم تحصل على تمويل كافٍ لمكافحة التمييز، وأن تلتزم بشكل كامل وسريع بقواعد التمييز المطبقة في المحاكم المحلية والأوروبية. مع أن هذا الموضوع لا يزال مثيراً للجدل في بعض أجزاء أوروبا، يجب أن تجمع الحكومات الإحصاءات المصنّفة وفق الانتماء العرقي والإثني والديني للمساعدة على فهم حجم المشكلة والسماح باقتراح الحلول عبر سياسات مستهدَفة.....لكنّ حظر الأحزاب المتطرفة لن يغير على الأرجح عقلية مناصريها. بل إنه يدفع الأحزاب إلى العمل سراً ويجازف بحرمان كل من يدعمها من فرصة المشاركة في النظام السياسي. إذا فشلت الجهود الرامية إلى حظر أي حزب متطرف، قد ينتهي الأمر بتقويتها (ينتشر هذا القلق بين الأشخاص الذين يعارضون جهود حظر «الحزب الديمقراطي الوطني» في ألمانيا). ترتبط بعض الأحزاب المتطرفة في أوروبا بأعمال العنف أصلاً ويمكن أن يؤدي إقصاؤها من عالم السياسة الديمقراطية إلى رواج أعمال العنف باعتبارها أداة سياسية لأن القادة قد يتحدثون عن غياب مزعوم للخيارات السلمية البديلة.

يُفترض أن تعمل أبرز الأحزاب على سحب الدعم السياسي من تلك الأطراف من دون نسخ سياساتها أو تبني خطابها. تقدم دراسة جديدة من معهد الأبحاث Counterpoint، بعنوان «استعادة الراديكاليين المترددين»، سلسلة من الاقتراحات التي تشمل معالجة مخاوف الناخبين الأكبر سناً والناخبات لأن هذه الفئات تصوّت بشكل متزايد لصالح الأحزاب المتطرفة، ومعالجة العوامل المحلية التي تعزز دعم الأحزاب المتطرفة، والاستثمار في التعليم والخدمات لمحاربة التطرف، والاستعداد لخوض محادثات صعبة عن توافد المهاجرين ودمجهم بطريقة تعزز التسامح. تؤدي مؤسسات الاتحاد الأوروبي دوراً محورياً أيضاً في هذا المجال. لدى الاتحاد الأوروبي قوانين جيدة عموماً، منها قوانين لمنع التمييز ومحاربة العنصرية وكره الأجانب عبر نظام العدالة الجنائية. لكن يجب أن يكون الاتحاد مستعداً لمحاسبة الدول الأعضاء إذا لم تكافح التعصب وعوارضها السيئة. لا تزال جهود المراقبة والإبلاغ عن الحالات في «وكالة الحقوق الأساسية» للاتحاد الأوروبي مهمة. إن صلاحيات محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي هي أساسية أيضاً، لا سيما في مجال مكافحة التمييز.

معالجة الكراهية

لا بد من معالجة خطاب الكره أيضاً. إذا كانت أوروبا جدية بشأن كبح التعصب ووقف دعم الأحزاب المتطرفة، فيجب أن يتوقف القادة السياسيون عن استعمال اللغة التحريضية والمشفرة وأن يدينوا بشدة كل من يعبّر عن آراء مماثلة.برزت بعض الأفكار المُلهِمة لمحاربة خطاب الكره في أوروبا خلال مؤتمر بودابست في نوفمبر 2012، بما في ذلك نشر الوعي، وإلقاء الخطابات المضادة، وفرض التنظيمات الإعلامية الذاتية، وتعديل الخطاب على الإنترنت. سيُطلق مجلس أوروبا حملة واسعة في شهر مارس تستهدف الشباب لمكافحة خطاب الكره على الإنترنت....يجب محاربة خطاب الكره الذي يحرّض على العنف عبر نظام العدالة الجنائية. لكن يترافق الإفراط في استعمال نظام العدالة الجنائية مع مخاطر كبرى على حرية التعبير. تحتاج أوروبا إلى تقديم نموذج إيجابي أمام بقية دول العالم بدل أن تدافع عن نماذج تتكل على سوء استعمال السلطة ولغة التجريم التي تسيء إلى الدولة أو الجهات النافذة.....

يبرز خطر أساسي عند المبالغة في ردود الأفعال تجاه الخطاب السائد على الإنترنت وفي وسائل الإعلام الاجتماعية. بريطانيا هي خير مثال على ذلك. حصلت سلسلة من المحاكمات في بريطانيا ضد اعتداءات تشمل تعليقات عنصرية يتم نشرها على الإنترنت. في شهر أكتوبر، حُكم على شاب يبلغ 19 عاماً بالسجن مدة 12 أسبوعاً في مركز للأحداث الجانحين بعد أن كتب تعليقات، بعضها جنسي، عن فتاتين مفقودتين قيل إنهما قُتلتا. في الشهر نفسه، حُكم على رجل في العشرين من عمره بـ240 ساعة من الخدمة الاجتماعية بعد أن كتب تعليقات عن جنود مقتولين على صفحة الفيسبوك الخاصة به....إن سجن الناس لأنهم عبّروا عن رأيهم ينتهك الحقوق عموماً، لا سيما في الحالات التي تفتقر إلى الأدلة على التحريض وتشغل الشرطة والجهات القضائية التي يُفضَّل أن تركز على معاقبة كل من يرتكب أعمال العنف أو يحرّض عليها. كما أنه يوجه رسالة خاطئة إلى قادة الدول الأخرى الذين يريدون فرض الرقابة على الأحاديث على الإنترنت، بما يتناقض مع موقف الحكومة البريطانية التي تجاهر بأنها بطلة حرية التعبير على الإنترنت......

تتحدث بعض الأوساط في أوروبا أحياناً عن الحاجة إلى حماية حرية الأديان لتبرير فرض الضوابط على حرية التعبير. تواجه اليونان عدداً من التحقيقات الجنائية المستمرة بموجب قانون التجديف المحلي لعام 1951، وتستهدف إحدى القضايا إنتاجاً مسرحياً في أثينا كان قد أعاقه المتطرفون الذين اعترضوا على اعتبار يسوع مثلياً. في بولندا، أعطت المحكمة العليا الضوء الأخضر في شهر أكتوبر الماضي لمحاكمة مغني ميتال بتهمة إهانة الدين بعد أن مزق الكتاب المقدس على المسرح.

لا بد من حماية حقوق الأقليات الدينية في أوروبا، بما في ذلك حرية ممارسة شعائرها الدينية في المجالس الخاصة والعامة. لكن تنتهك قوانين التجديف التي تحمي الديانات أو تجرّم أبسط الإهانات حرية التعبير. لهذا السبب، تدعو «خطة عمل الرباط لمنع التحريض» (عملية تقودها الأمم المتحدة لتوضيح النطاق المناسب لمنع التحريض بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان) إلى إلغاء أي قوانين مماثلة. أعلنت الحكومة الهولندية في شهر نوفمبر أنها ستلغي قانون التجديف. ويجب أن تحذو حذوها الدول الأوروبية الأخرى التي لا تزال تحتفظ بقوانين التجديف في دساتيرها.

على رغم النفوذ السلبي الذي تمارسه الأحزاب السياسية المتطرفة، لا سيما تلك التي يرتبط أعضاؤها بأعمال العنف، يجب أن تقاوم الحكومات الأوروبية النزعة إلى حظرها. وافقت الحكومات في 16 ولاية من ألمانيا على دعم اقتراح حظر «الحزب الديمقراطي الوطني». وفي الآونة الأخيرة، اقترحت «اللجنة الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب» ضرورة أن تفكر اليونان بحظر حزب «الفجر الذهبي». لكن تحمل هذه المقاربة مخاطر كبرى وهي تثير الشكوك حول الحق بالمشاركة السياسية وحرية التجمع إذا تورط قادة أي حزب سياسي أو أعضاء آخرون فيه في سلوك إجرامي، لا بد من محاكمتهم فضلاً عن سحب الحصانة البرلمانية منهم عند الاقتضاء. المجال مفتوح أيضاً للتفكير بفرض عقوبات أو ضوابط على الأحزاب السياسية التي تطلق خطابات أو نشاطات غير دستورية. يجب أن يدين السياسيون البارزون بكل وضوح عبارات الكره والعدائية والانقسام من جانب الأحزاب المتطرفة.

رقابة المفوضية الأوروبية

لا بد من تقوية كلمات وأفعال وأنظمة الرقابة في المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي لكبح التعصب. من المتوقع أن تدقق المفوضية هذه السنة بالوضع القائم لتحديد ما إذا كانت الدول الأعضاء تلتزم بقواعد الاتحاد الأوروبي في ما يخص محاربة العنصرية عن طريق المحاكم. إنها فرصة جيدة للتعمق بأداء الدول ومعرفة ما إذا كانت تبذل ما يكفي من الجهود لمعالجة جرائم الكره.****يجب أن تلتزم المفوضية بتوصيات التقرير السنوي الذي صدر في شهر ديسمبر عن البرلمان الأوروبي حول الحقوق الأساسية في الاتحاد الأوروبي من أجل تطبيق الإجراءات القانونية عند حصول أي انتهاك وإطلاق تحذير أولي وحصر آلية انتهاك حقوق الإنسان ضمن حدودها الخاصة. يجب أن توسع المفوضية أيضاً نطاق تقريرها السنوي المقرَّر حول الأنظمة القضائية للدول الأعضاء كي تحترم الحقوق الأساسية.****على صعيد آخر، يجب أن يكون البرلمان الأوروبي والمجلس الأوروبي مستعدَّين لكسر حاجز الصمت الذي يجعلهما يترددان في تسمية الدول الأعضاء الفردية المتورطة في الانتهاكات. ويجب أن يستفيد المجلس بشكل أفضل من فرعه المعني بالحقوق الأساسية داخل الاتحاد الأوروبي من أجل التدقيق بالمخاوف الجوهرية على حقوق الإنسان في الدول الأعضاء، بما في ذلك العنف العنصري وكره الأجانب.****أدلى مارتن نيمولر بتصريح شهير عن ألمانيا النازية: «جاءوا في البداية بحثاً عن الشيوعيين لكني لم أعترض لأنني لم أكن شيوعياً...». ثم استنتج أنهم «قدموا من أجلي ولم يتبقَ أحد ليعبّر عن رأيي». صحيح أن أوروبا اليوم تختلف بشدة عن ما كانت عليه في الثلاثينات، لكن يذكّرنا هذا التصريح بالسبب الذي يجعل من مكافحة التعصب أمراً ضرورياً. ما لم تُعالَج هذه المشكلة، سيؤدي التعصب والكره إلى تآكل القيم الأوروبية واستنزاف مجتمعاتنا. إن معالجة المشكلة عبر طرق تصون الحقوق هي حاجة ملحّة.






التوقيع



يحتاج الإنسان إلى سنتين ليتعلم الكلام وخمسين ليتعلم الصمت
إرنست همنغواي
رد مع اقتباس
قديم 25-02-2013, 08:20 PM رقم المشاركة : 70
معلومات العضو
nad-ali
شيعي حسيني

الصورة الرمزية nad-ali

افتراضي



رجال الخليج الملثمون


د. مضاوي الرشيد

حول اعتماد دول الخليج على المرتزقة المستوردة لحفظ الامن الداخلي الى سر مفضوح فعند بعض المواجهات بين اجهزة الانظمة والناشطين قد يسقط شرطي باكستاني او آخر عربي كما حدث في البحرين منذ فترة قصيرة.



وتتهم معارضات في هذه الدول الانظمة باستعمال المتعاقدين مع الاجهزة الامنية لقمع الحراك الشعبي في الشارع وقد حصل ذلك في الكويت عندما اتهم مسلم البراك حكومة الكويت باستيراد 3000 شرطي ورجل امن من الاردن لقمع مسيرات الكويت ناهيك عن عقود مع شركة بلاك ووتر ابرمتها الامارات لتدريب وتجهيز نفسها لمكافحة ما يسمى بالشغب اما السعودية لم تلجأ الى المواربة حينما استقدمت قوة متعددة الجنسيات في التسعينات لدرء عدوان خارجي عراقي مرتقب وكانت هذه الخطوة العلنية عاملا يثبت عدم جاهزية هذه الدول لتثبيت امن حدودها من عدوان خارجي. لكن نكاد نجزم ان كل الدول الخليجية لا تواجه معضلة امن خارجي بل ان معضلتها اليوم هي منبثقة من الامن الداخلي. ومهما كبرت الانظمة الخليجية ونفخت بالخطر الايراني والتهديد الذي يمثله مشروع ايران النووي او قنبلتها المزعومة الا ان المرحلة الحالية الحرجة قد قلصت هذا الخطر وتحولت انظار واعلام هذه الانظمة الى خطر آخر تحت مسمى تهديد مد الاخوان المسلمين وتغلغله في المجتمعات الخليجية ومؤسساته التعليمية والدينية والخيرية وبعد انتقال الصدام مع الانظمة من الصراع المسلح الذي مثله تنظيم القاعدة على مدى عقد كامل الى صراع سلمي استلهم ابجدياته من الحراك العربي المتمثل بالمظاهرات السلمية وجدت هذه الانظمة نفسها في مواجهة غير متوقعة فخطابات التحذير من الخلايا النائمة او حتى المؤامرات الانقلابية قد لا يجدي في هذه المرحلة التي قلبت معايير واستراتيجيات التغيير من العنف المسلح الى الاحتجاج السلمي في الشارع. فخرجت المظاهرات اولا في البحرين ثم الكويت والسعودية لتجد الانظمة نفسها وجها لوجه مع كتلة بشرية تجمع اطيافا متنوعة من الناشطين وان حاولت الانظمة اسقاط الخطاب الطائفي على مثل هذه الكتل كما حصل في البحرين وشرق السعودية الا ان محاولة تقزيم وتحجيم هذا الحراك تحت مصطلح الطائفية لا يزال غير قادر على احتواء الحراك والمطالب التي هي بدورها جاءت مختلفة ومتنوعة بين بلد وآخر. فمن اسقاط الانظمة الى اصلاحها او حتى شعارات اطلاق مساجين الرأي والمطالبة بحكومات منتخبة وجدت الانظمة الخليجية نفسها مع حراك جديد خاصة في السعودية حيث سقطت ثنائية العنف او مهادنة النظام وتحولت الى استراتيجية تركز على المطالبة بحقوق محدودة كما هو حال الاحتجاجات التي تشهدها السعودية في عمقها وليس على طرفها الشرقي فقط حينما خرجت النساء في مظاهرات ولو محدودة للمطالبة بمحاكمات عادلة لمساجين الرأي والذي يتهمهم النظام بتهم مبهمة تتراوح بين مناصرة القاعدة والتعدي على ولاة الامر او تعطيل التنمية.



وان كان الحراك السلمي قديما في مجتمعات مثل البحرين والكويت الا انه لم يتبلور الا بشكل محدود في السعودية خلال الخمسينات والستينات وقد تم القضاء عليه بسرعة لفتوته وانحساره في حركة عمالية لم تستطع اختراق المجتمع فبقيت محدودة في محيطها النفطي وظل المجتمع معزولا عنها غير متجاوب مع مطالبها ولذلك لم تتحول بدايات الحراك العمالي الى حركة شعبية. واستعمل النظام حينها استراتيجيتين لوأد هذا الحراك العمالي أولها القمع المباشر والسجن والنفي لرموز الحركة العمالية ومن ثم تجريم الاتحادات العمالية وثانيها استراتيجية تحجيم مشاركة المجتمع في العمل عن طريق استيراد اليد العاملة الاجنبية العربية والآسيوية فيضمن بذلك تسيير الاقتصاد بمعزل عن كوادر عريضة لها جذور في المجتمع والاستعاضة عنها بيد عاملة تفتقد للحقوق وتعتمد على عقود عمل آنية تتجدد حسب الضرورة فساهمت بذلك في تحييد المجتمع عن تلك المهن التي قد تتبلور حقوقها في تجمعات عمالية او مهنية. فقسمت اليد العاملة الى محلية تتمركز في القطاع العام وتحت سيطرة النظام ويد عاملة مستوردة ذات وضع آني طارئ.

وقد بدأ هذا النمط يتغلغل في مشاريع خصخصة الامن الداخلي حيث يناط بتنفيذه والحفاظ عليه كوادر مستوردة ليس لها جذور اجتماعية في البيئة التي تحاول السيطرة عليها ومن هنا جاءت العقود الامنية التي لا تقتصر على استيراد الاسلحة في سوق عالمية مفتوحة بل استيراد الخبرات التدريبية وحتى البشرية لتنزل الى الشارع عند الضرورة فتقمع كما تشاء دون ان تكون مرتبطة بهذا المجتمع او ذاك عن طريق اواصر قربى او لحمة اجتماعية وتكون هذه الشرائح المستوردة جاهزة لتنفيذ الاوامر مقابل الاجر المدفوع لها. واعتمدت الانظمة على الفائض العسكري الذي ترعرع في البلدان العربية تحت مظلة حكم عسكري واستوردت الانظمة من هذه الدول العربية الكوادر اما المرتبطة بأنظمتها او المطرودة منه واتجهت الى السوق العالمية الامنية لتشتري المرتزقة وقد انتجت مثل هذه البيئات المعولمة خبرات امنية تسوق نفسها في هذه السوق من جنوب افريقيا الى اوروبا الشرقية مرورا بباكستان والتي جمعتها سياسة قديمة بأنظمة مثل النظام السعودي فصدرت باكستان ليس فقط اليد العاملة بل ايضا الرجل المعسكر والذي يبيع خبراته تحت مظلة عقود امنية تبرمها حكومته مع الحكومات الخليجية المحلية وقد لقي احدهم حتفه مؤخرا في البحرين. ويمكن اعتبار المنظومة الخليجية للامن الداخلي الحالية امتدادا لمنظومة سابقة كان على اساسها الامير او الشيخ او الملك يعتمد في امنه على حلقة صغيرة من العبيد الذين يدينون له بالولاء المطلق ويستعمل جيش حضري وقبلي لحفظ الامن بمفهومه الواسع من امن المدن الى امن الحدود وبعد تعثر هذه المنظومة نتيجة مصادمات او مواجهات مع السلطة في مراحل تاريخية سابقة وصلت الانظمة الى قناعة ان الامن موضوع خطير لا يمكن ان يسلم الى تكتلات قبلية معروفة قد تنافس السلطة او تقوض مصلحتها المحدودة فأبقت على هؤلاء بصورة شكلية استعراضية وسلمت الملف الامني لاشخاص قد لا يتمتعون بتلك العلاقات او الطموحات الكبيرة فخلقت لهم ادوارا في شرطة المرور او السوق وابعدتهم عن المفصل المركزي في امن الدولة ما عدا اجهزة المخابرات التي تعمل في دولة الظل المتمثلة بشبكة امنية واسعة متغلغلة في الخفاء تدير ملفات الاعتقال والتجسس وغيره من اساليب خفية. وفي الشارع الخليجي خاصة بعد التحول التاريخي الى اساليب الحراك السلمي كان لا بد من مواجهة الحراك البشري بكتلة بشرية اخرى مطعمة بالمرتزقة المستوردة الملثمة التي تقف على مسافة قصيرة من المتظاهر في مصادمات اصبحت يومية في مناطق كالسعودية والبحرين والكويت. ومن اهم ملامح رجل الامن الملثم ان لا ملامح له مجازيا وواقعيا حيث يخفي لثامه هويته محلية كانت او مستوردة ويتحرر من حزازيات القتل وتبعياته في مجتمعات لا تزال غارقة في اعتمادها على العلاقات الشخصية والتعارف الاجتماعي والتواصل الاسري.

فالملثم المستورد والمحلي بترسانته المنقولة وادوات قمعه المعروفة من خراطيم الغاز وقنابله المستوردة ناهيك عن الذخيرة الحية والقنابل اليدوية ووسائل نقله العصرية اصبح ظاهرة ملازمة للتحول الحاصل على الارض من التهويل بالخطر الخارجي الى واقعية حراك سلمي متكرر يأبى ان يتراجع. ونستطيع ان نجزم ان ظاهرة رجل الامن الملثم تتلازم مع انطلاقة هذا الحراك المكثف الذي لم تشهده بعض الدول الخليجية في العقود الماضية بهذا الشكل رغم وجوده سابقا في مناطق معروفة. وكلما شككت الانظمة بولاء المجتمعات كلما ازداد اعتمادها على اللثام الحديث ووسائل القتل والقمع الجديدة في محاولة للهروب من مواجهة الحقيقة التي فرضت نفسها في شوارع مدن عامرة تتباهى بالعمران العصري وساحات اثقلتها يد السلطة وصورها المتناثرة على الجدران والمباني والمؤسسات. فوجود المجتمع والكتل البشرية في هذه الساحات والشوارع لاهداف غير التنقل والتسوق المنشود والمتوفر غيّر المعادلة التي حاولت السعودية وغيرها من الدول الخليجية فرضها وهي تقتضي الى تحويل المجتمع من المواطنة الى الاستهلاك واليوم نجد اطيافا كبيرة وعريضة لم تقتنع بالاستهلاك كبديل للمواطنة والحقوق ولذلك قد خرجت الى الشارع طلبا لمنظومة جديدة تحل محل تلك القديمة المشبوهة بالفساد والاحتكار والانتقائية والتي اثقلت هذه المجتمعات التي ظلت غير مقتنعة بتحييدها الى الابد وانهكت اقتصادها بل استنزفته تحت شعارات التنمية والاستقرار وفشلت في توفير اهم حق يطلبه المجتمع وهو حق العمل المصادر والمعتبر كهبة مقابل الولاء المطلق. في ظل هذه التحولات التاريخية التي تشهدها منطقة الخليج سيظل رجل الامن الملثم المستورد والمحلي سمة ملازمة تلجأ اليها الانظمة غير المتصالحة مع مطالب شعوبها والتي آثرت خصخصة الامن الداخلي على مستويات متباينة تهدف من جديد الى تحييد المجتمع لتبقى هي المسيطرة على ثرواته وسيادته ومستقبله.

‘ كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية






التوقيع



روي عن رسول الله (ص) : تَفرَّغوا من هموم الدنيا ما استطعتم ، فإنه مَن أقبل على الله تعالى بقلبه ،
جعل الله قلوب العباد منقادة إليه بالودّ والرّحمة ، وكان الله إليه بكلّ خير أسرع ... جواهر البحار

رد مع اقتباس
قديم 25-02-2013, 08:58 PM رقم المشاركة : 71
معلومات العضو
kumait
عضو برونزي

الصورة الرمزية kumait

افتراضي الأمراء الحاكمون: (أمواتٌ غير أحياء وما يشعرون)


جيل ثالث انتهت صلاحيته

أمواتٌ غير أحياء!

وفاة أمير الرياض سطام والتغيير عبر (ملك الموت)!
الأمراء الحاكمون: (أمواتٌ غير أحياء وما يشعرون)
عبدالحميد قدس

كان أمراً متوقعاً أن تكرّ سبحة الموت فتتخطف أبناء مؤسس الدولة عبدالعزيز آل سعود، بحيث أن الفارق بين وفاة أمير وأخيه تتقلّص الى أشهر قليلة بعد أن كان يُحسب بالسنوات.

عدد الأخوة كبير، وتواريخ ميلادهم متقاربة، وبالتالي فإن أعمارهم متقاربة أيضاً. وفي حين أن الأعمار بيد الله، فإن سنته في الموت ماضية على الجميع. اكثر من 36 ولداً كانوا أبناء مؤسس الدولة. أولهم (وهو تركي) ولد في الكويت عام 1900؛ وآخرهم حمود الذي ولد في الرياض عام 1947. تركي توفي عام 1919 بالحمى الأسبانية، وحمود توفي عام 1994؛ وما بين ولادة الإثنين اقتربت الأعوام أكثر فأكثر، ولنشهد وفاة العديد من الأمراء في السنوات القليلة الأخيرة مثل: سلطان ونايف وحديثاً سطام، امير الرياض الذي توفي في 12 من هذا الشهر (فبراير).

لماذا لم يفكر الأمراء في مسألة استقرار حكمهم من جهة ترتيب شؤون الخلافة، قبل أن يحشروا في أرذل العمر، ويضطروا الى تغييرات متتابعة تنهك الدولة واستقرارها؟ ثم مَن بقي حيّاً من الأمراء الـ 36؟

المتوفون حسب التاريخ (20 من 36 أميراً وملكاً):

1/ تركي (1900-1919)؛ كانت وفاته بسبب الوباء الذي فتك بآلاف من البشر.
2/ منصور (1918-1951)؛ من أحب ابناء ابن سعود الى نفسه، وهو أول وزير دفاع منذ تأسيس الوزارة عام 1944، كان مرشحاً للحكم، وتصارع مع أخويه فيصل وسعود عليه في حياة أبيه. اشتهر بالقسوة وقد سجل دبلوماسيون اجانب جوانب من فتكه وبطشه وسحله لمواطنين.
3/ ثامر (1937-1953)؛ أمه نوف الشعلانية بنت زعيم قبيلة الرولة، انتحر في ميامي بامريكا، حيث صبّ الزيت على ملابسه وأشعل في نفسه النار في يونيو 1953.
4/ الملك سعود (1902-1968)؛ ولد ليلة احتلال الرياض، وتوفي في المنفى باليونان في نوفمبر 1969 بعد عزله عام 1964.
5/ الملك فيصل (1906-1975)؛ كان ملكاً ووزير خارجية ورئيس مجلس وزراء. قُتل على يد ابن اخيه فيصل بن مساعد انتقاماً لمقتل أخيه خالد بن مساعد. قيل ان السي آي أيه دبرت مقتله بالتعاون مع فهد.
6/ الملك خالد (1913-1982)؛ كان شخصية ضعيفة، ومنذ توليه الملك عام 1975 كان مجرد اسم، وكان فهد يدير البلد بالنيابة.
7/ ناصر (1913-1984)؛ أول من تولى امارة الرياض في 1947، واشتهر بالفجور الى حدّ ان والده اضطر الى جلده علناً.
8/ عبدالمحسن (1925-1985)؛ وزير داخلية سابق في عهد الملك سعود؛ ثم خرج معترضاً ضمن قائمة (الأمراء الأحرار)، وقد أغراه فيصل بالعودة، وكافأه بأن ولاّه أمارة المدينة المنورة وبقي في منصبه حتى وفاته. كانت سمعته سيئة، كما كان متجاهراً بالتحلّل، وقد وقعت بينه وبين المشايخ مشاجرات!
9/ محمد (1910-1988)؛ لقبه أبوه بـ (ابو الشرين)، فقد كان شرساً، قاتلاً كما سطرت ذلك الكتب للنساء والأطفال، عيّنه ابوه أميراً للمدينة فور احتلالها في ديسمبر 1925. أيضاً كان متجاهراً بالسكر والفسق، وجلده أبوه امام الملأ، كما يذكر وزير العراق المفوض في السعودية امين المميز في مذكراته. ومحمد شقيق الملك خالد، وقد تنازل له بأن يكون ملكاً، لأنه يعلم بانه ليس رجل دولة. محمد كان كبير العائلة وكانت كلمته مسموعة، وله دور في مقتل الأميرة التي تزوجت أحد ابناء العامة، وفضح الأمر في (فيلم موت أميرة).
10/ سعد (1915-1993)؛ لم يتولّ مناصب رسمية.
11/ حمود (1947-1994)؛ لم يهتم بالموضوع السياسي وكان منشغلاً بأعماله التجارية.
12/ مشاري (1932-2000)؛ وهو الذي قتل نائب القنصل البريطاني في جدة سيريل اوسمان بالرصاص في نوفمبر 1951، وكان في حالة سكر، وبسبب شجار بسيط وقع بينهما. قيل ان القنصل رفض تناول الخمر معه، فقتله! كما دون ذلك مؤرخون. الملك اعطى زوجة المتوفى (دورثي) عشرين الف جنيه كفدية وارتحلت الى جنوب افريقيا. اما مشاري فقد اختفى الى ان هدأ والده، ولم يعاقب. ولكن ـ ربما بسبب تلك الحادثة ـ قضي على آماله السياسية ان كان لديه تطلع بشأنها.
13/ ماجد (1938-2003)؛ تولى وزارة الشؤون البلدية والقروية ثم عيّن أميراً لمكة حتى وفاته. كان يعتبر نفسه مختلفاً عن آل سعود، وكان متواضعاً محبوباً من النخبة الحجازية، ومكروهاً من الجناح السديري. لكن أداءه الإداري لم يكن متميزاً، وكان السديريون يتعمدون إفشاله بتخفيض مخصصات أمارة مكة، ما أوقع تلك المنطقة في مشاكل الى اليوم.
14/ الملك فهد (1923-2005)؛ عين ابتداءً وزيراً للمعارف ـ التعليم بين عامي 1953-1960، وان كان لم ينه حتى شهادة السادس الإبتدائي! وكان يدير الوزارة وكيله عبدالوهاب عبدالواسع. ثم اصبح في 1962 وزيراً للداخلية بعد ان اصطف مع فيصل ضد سعود؛ ليصبح ولي عهد خالد، ثم ملكاً غير متوج عام 1982. في 1996 اصيب بجلطة في الدماغ اقعدته وأقعدت البلد وجمدت الحياة فيها حتى وفاته عام 2005.
15/ عبدالمجيد (1941-2007)؛ عُين أميراً لمنطقة تبوك حتى 1987 لينقل بعدها الى امارة منطقة المدينة، ثم الى أمارة مكة بدعم من الملك عبدالله الذي رأى فيه دعماً لجناحه مقابل السديريين. لكن القدر لم يمهله فقد أًصيب بالسرطان وارتحل الى امريكا للعلاج، ثم عاد ومات. لم يشهد له انه كان متميزاً في الإدارة، وقد اتهم بالنهب والفساد شأنه شأن أفراد عائلته الآخرين.
16/ فواز (1934-2008)؛ كان من الأمراء الأحرار!، وعاد فعيّنه فيصل أميراً لمكّة، وقد اشتهر بالفسوق والمجون، وكُتبت عنه كتب توضح مسلكه من قبل غربيين، وقد هاجمه جهيمان من المسجد الحرام علناً، وبعد اسبوعين من وقوع حادثة احتلال الحرم أُقيل من منصبه في ديسمبر 1979 لتهدئة الرأي العام.
17/ سلطان (1931-2011)؛ تولى في عهد أبيه رئاسة الحرس الملكي، ثم عيّن كأول وزير للزراعة عام 1953؛ فوزيراً للمواصلات عام 1955 حتى عام 1960، ليصبح بعدها وزيراً للدفاع عام 1962 حتى وفاته، اضافة الى توليه ولاية العهد بعد وفاة الملك فهد. كان مقرباً من فيصل وأبناء فيصل، وكان أكثر من اشتهر بالفساد والنهب واطلق عليه (الوهّاب النّهاب)، وكان كثير الكلام، واطلق عليه فيصل لقب (أبو الكلام)! لم يكن الملك خالد يثق به ورآه مخادعاً معتدياً على المحارم.
18/ نايف (1934-2012)؛ كان اميراً للرياض برهة من الزمن؛ ثم وكيلاً لوزارة الداخلية في عهد شقيقه فهد، ليصبح وزيراً كاملاً عام 1975 بعد مقتل فيصل، وليصبح ايضاً ولياً للعهد بعد وفاة شقيقه سلطان. عرف عنه الشدّة والقسوة وقتل الخصوم وتعذيبهم، كما عرف عنه تملّقه وتقرّبه من المشايخ الوهابيين ليكونوا في صفّه، فأطلقوا عليه (حامي السنّة)! أسس مركزاً باسمه باسم (السنّة النبوية) امعاناً في التضليل وترضية للمشايخ الذين أحبوه لقمعه خصومهم الأيديولوجيين ومنافسيهم من الليبراليين والإصلاحيين والشيعة. اشتهر عنه قوله في منتصف الثمانينيات: (المرأة لن تقود السيارة ما دمتُ حيّاً)!
19/ هذلول (1942-2012)؛ لم يشغل منصباً سياسياً، وانقطع الى أعماله التجارية.
20/ سطام (1940-2013). وهو شقيق ماجد، كان نائباً لسلمان في أمارة الرياض، وبعد تعيين سلمان ولياً للعهد ووزيراً للدفاع، اصبح سطام تلقائياً اميراً للرياض. ولم يعمّر في منصبه إلا أشهراً قليلة.

الأحياء حسب ترتيب السنّ (16 أميراً بينهم ملك):

1/ بندر (1921- 92 سنة)؛ لم يتول مناصب رسمية، وابنه امير لمنطقة القصيم.
2/ مساعد (1923- 90 سنة)؛ لم يتول منصباً رسمياً، واتهم بالجنون كونه تزوج من شمرية، اي من قبيلة حكام نجد السابقين، وقد قتل ابنه خالد بأمر من فهد وزير الداخلية عام 1964، ولكن ابنه الآخر فيصل قتل الملك فيصل لاحقاً في مارس 1975، ثم تم إعدامه.
3/ الملك عبدالله (1924- 89 سنة)؛ تولى رئاسة الحرس الوطني منذ 1963، وقد أقنعه عبدالعزيز التويجري بأن يقبل المنصب ويعود الى المملكة، وكان معترضاً ومقيماً في بيروت، وذلك لأن المنصب يمكن ان يكبر به ويحفظ له موقعه في السلطة. وهذا ما حدث. لم يتخل عبدالله عن الحرس الوطني إلا بعد ان اصبح ملكاً ليحول رئاسته الى ابنه متعب. عبدالله كان ولياً للعهد منذ 1982، وكان السديريون يتمنون ازاحته ولكن محمد ابو الشرين أوقفهم، فلم يستطيعوا إزاحته. وتشاء ارادة الله ان يتوفى أقطاب الجناح السديري قبله (فهد وسلطان ونايف)! ما منحه فرصة لتعديل مسار الحكم، وتعيين عدد من أبنائه في مناصب كبيرة وفق ما يشتهي في غياب كبار الامراء وعجزهم. الملك يعتبر عاجزاً عن أداء مهماته، ولكنه متلكيء في نقل السلطة الى الجيل الثالث.
4/ مشعل (1925- 88 سنة)؛ شقيق منصور، واصبح وزيراً للدفاع بعد وفاة شقيقه (1951-1957)، ثم تولى امارة مكة برهة من الزمن. يعتبر من لصوص الأراضي الكبار (ملك الشبوك)، وكان قد تنازل لسلطان بولاية العهد مقابل مليارات الدولارات ومساحات شاسعة من الأراضي. وهو يرأس هيئة البيعة حالياً، مع ان الهيئة لا قيمة له ولا مكانة ولا تأثير حقيقي في تحديد مسار الخلافة.
5/ متعب (1928- 85 سنة)؛ تولى وزارة الإسكان عام 1975، ثم وزيراً للبلديات، واعترض على تعيين نايف نائباً ثانياً ـ اي ولياً للعهد مستقبلاً ـ فرفض الحضور الى جلسات مجلس الوزراء. تولى ابنه منصور الوزارة وراثة من أبيه.
6/ طلال (1931- 82 سنة)؛ هو ابن مناير، زوجة ابن سعود المحببة، وكان يسميها (البقرة الحمراء) كونها جارية. تولى وزارة المواصلات عام 1954، اعترض على الملك سعود عام 1958 ودعم فيصلاً، ثم انقلب على هذا الأخير فاستعاد سعود صلاحياته عام 1960 واصبح طلال وزيراً للمالية بين 1960-1961، ثم استقال وقاد مجموعة الأمراء الأحرار التي تطالب بالإصلاح وكان معه (فواز، وبدر، وعبدالمحسن، وسعد بن فهد) ومنذئذ لم يتسلم منصباً، ونُظر اليه معادياً من قبل الجناح السديري.
7/عبدالرحمن (1931- 82 سنة)؛ من السديريين السبعة، تولى نيابة وزارة الدفاع والطيران بين عامي 1979-2012 اي حتى إقالته العام الماضي حين تم تعيين شقيقه سلمان وزيراً للدفاع. ايضاً يعتبر من لصوص الأراضي الكبار، وهو جاهل بالسياسة والإدارة، ولكنه غاضب على إزاحته من منصبه، ورأى لنفسه الحق بأن يكون الملك القادم (حسب السنّ).
8/ بدر (1932- 81 سنة)؛ تولى وزارة المواصلات بين 1960-1961 قبل ان يلتحق بطلال الى المنفى؛ ثم عاد وشغل منصب نائب رئيس الحرس الوطني، قبل أن يبعده الملك عبدالله ويعين ابنه متعب.
9/ تركي الثاني (1932- 81 سنة)؛ ولاه فيصل نيابة وزارة الدفاع والطيران عام 1969 وبقي فيها الى 1979، حين غضب عليه إخوته لزواجه من هند الفاسي، فاستقال او اقيل وارتحل الى مصر وبقي فيها الى عام 2010، حيث توفيت الزوجة وعاد تركي مع اولاده.
10/ نواف (1933- 80 سنة)؛ عين وزيراً للمالية لبرهة بعد رحيل طلال معارضاً عام 1961؛ وفي 2001 عين رئيساً للإستخبارات خلفاً لتركي الفيصل؛ واستمر في منصبه حتى 2005، ليعين مكانه الأمير مقرن ـ النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء حالياً.
11/ ولي العهد سلمان (1936- 77 سنة)؛ تولى امارة الرياض من 1954 الى نوفمبر 2011 (عدا فترات قصيرة). وهو يمتلك كل اسرار العائلة ومشاكلها ما أعطاه قوة غير مسبوقة، حيث كان يبتزّ الجميع. في 2011 عين وزيراً للدفاع بعد وفاة سلطان، وبعد أشهر عينه الملك ولياً للعهد بعد وفاة شقيقه نايف، وذلك خارج اطار هيئة البيعة. وسلمان يمتلك الحصة الأكبر في الشركة السعودية للأبحاث والتسويق، ويتولى ابناؤه العديد من المناصب. عرف عنه خشونته حتى على أبنائه، الذين توفي بعضهم بسبب الإدمان (فهد نائب امير الشرقية السابق؛ وأحمد رئيس الشركة مثلاً) كما أنه متهم بقتل أحد أبنائه ـ غير الشرعيين.
12/ ممدوح (1939- 74 سنة)؛ عيّن عام 1986 اميراً لتبوك؛ ولما وجد فهد أن ضبط طموحاته صار صعباً، خدعه بأن اقنعه بالتنازل ليتولى منصب رئيس (مركز الدراسات الاستراتيجية) والذي تحتاجه البلاد! صدق ممدوح الأمر، وتمت الإقالة من الإمارة والتعيين في المركز الذي لم ير النور الى اليوم، ولا توجد له حتى طاولة وليس مكتباً!
13/ عبدالإله (1939- 74 سنة)؛ عين اميراً للقصيم عام 1980 وحتى عام 1992، وفي 1999 عين اميراً لمنطقة الجوف، ليقال منها بعد ثلاث سنوات ويعين كمستشار للملك، ولازال! بمعنى أن منصب الإستشارية مجرد من أية صلاحيات.
14/ مشهور (1942- 71 سنة)؛ لم يتول مناصب ومنشغل في أعماله التجارية.
15/ أحمد (1942- 71 سنة)؛ من السديريين السبعة، عينه فيصل وكيلاً لإمارة مكة، وفي 1975 عيّن نائباً لنايف في وزارة الداخلية، وبقي في المنصب حتى يونيو الماضي 2012، حيث تمت ترقيته ليصبح وزيراً للداخلية ولكن لأقل من خمسة أشهر (تم اعفاؤه في 5/12/2012). وكان متوقعاً ان يكون احمد ولي عهد شقيقه سلمان، لكن تبين ان توزيره في الداخلية اصطدم مع الرجل الأساس والقوي فيها محمد بن نايف الذي كان يديرها كاملة في عهد والده، واراد أحمد ان يسحب الصلاحيات من ابن اخيه، وحدث صراع قوي فضّل معه الملك إزاحة أحمد، لصالح ابن الأخ محمد بن نايف، المرغوب أمريكياً جداً.

16/ مقرن، النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء (1945- 68 سنة)؛ خدم كطيار في القوات الجوية ثم أصبح آمراً فيها، وفي 1980 تم تعيينه أميراً لحائل لمدة 19 عاماً، لينقل الى امارة المدينة في اواخر 1999، وليمضي فيها ست سنوات حتى تعيينه عام 2005 رئيساً للإستخبارات العامة خلفاً لنواف. وفي يوليو 2012 اطيح به من جهاز الإستخبارات لصالح بندر بن سلطان، وليتولى هو منصباً استشارياً اسمياً. لكن السماء منحته ما لم يتوقعه، ففي الأول من هذا الشهر فبراير تم تعيينه نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء، أي أنه سيكون ـ ما لم يحدث أمر غير متوقع ـ الملك القادم بعد سلمان. والأعمار بيد الله!

ملاحظات عامة

الأولى ـ أن القيادة السعودية هرمة جداً، فمن بين الأحياء من أبناء عبدالعزيز، وعددهم 16 أميراً، هناك 10 منهم تجاوزوا سن الثمانين وبينهم الملك الذي يقترب من التسعين عاماً (بعضهم تجاوز التسعين كمساعد وبندر). ايضاً هناك 5 من 16 تجاوزوا السبعين عاماً، وبعضهم اقترب من الثمانين حتى (مثل ولي العهد سلمان). ولا يبقى سوى أمير واحد هو مقرن والذي لم يتخط عمره سقف السبعين (68 عاماً)؛ مع انه بالتقويم الهجري ـ المعتمد في السعودية ـ وصل الى السبعين عاماً (مقرن من مواليد 7/11/1364هـ، ونحن الآن في شهر 4 من عام 1434هـ).

وبناء على هذا، فإن هذه القيادة المعمّرة، اذا اعتبرنا ان الحكم ينتقل من الأخ لأخيه، فإن تعيين أصغر ابناء ابن سعود لا يغير من شيخوخة القيادة التي هي متحكمة الآن بالسلطة، وإن حُصرت في الملك وولي عهده. لا تستطيع السعودية ان تمضي في طريق التعافي بمثل هذه القيادة.

الثانية ـ مثلما اقتربت تواريخ الولادة لأبناء ابن سعود، فإن تواريخ وفاتهم ـ والأعمار بيد الله ـ ستكون متقاربة، ذلك أن الأغلبية الساحقة من أبناء عبدالعزيز (15 من 16) هم فوق السبعين، وبعضهم تجاوز التسعين. ما يشير الى موت متسارع، لا يفصل الواحد عن الآخر إلا قليلاً، اي أشهر فحسب. هذه الفاصلة التي تصغر مع الزمن، تسبب الإرباك لأي حكم، خاصة مع وجود عدد هائل من الحفدة (ابناء الجيل الثالث) الذين أصابت الكثير منهم الشيخوخة أيضاً، وبعضهم أكبر من أعمامه سنّاً.

وهنا تكمن الملاحظة:

بين عام 1919 وحتى عام 1960، توفي ثلاثة إخوة، في 41 عاماً، بمعدل يزيد عن 13 سنة كفارق بين المتوفين.
بين 1961 وحتى 1980 توفي إثنان في عشرين سنة، أي أن الفارق تقلّص الى 10 سنوات.
وبين 1981 وعام 2000 توفي سبعة إخوة، في عشرين سنة، بفارق تقريبي يصل الى أقل من ثلاث سنوات.
وبين 2001 وحتى الآن 2013، توفي ثمانية أخوة، في 12 سنة وشهرين، بفارق يتقلص الى سنة ونصف بين كل وفاة (معدلاً).

ماذا يعني هذا؟

إنه يعني ضرورة التجديد لمسألة الوراثة، بل حتميته، فالتأخير لا يزيد الأمور إلاّ سوءً، واقتراب الموت من الطبقة العليا، بدون ترتيب الخلافة الى الجيل الثالث، ولا ترتيب أمور الجيل الثالث نفسه فيجعلهم متوائمين متفقين، بسبب غياب النظام والمرجعية التي تحكم عملية الخلافة.. يعني تفجير الوضع برمته بعد غياب الملك وولي عهده سلمان.

لا ننس هنا عجزة الجيل الثالث أيضاً ـ المبتلين بالأمراض والعاهات ـ مثل:

ـ خالد الفيصل، من مواليد 1941، وهو امير مكة الآن، ويبلغ من العمر 72 عاماً.
ـ سعود الفيصل، من مواليد عام 1940، وهو وزير الخارجية منذ 1975، ويبلغ من العمر 73 عاماً.
ـ تركي الفيصل، وهو اصغر ابناء الملك فيصل، وهو من مواليد 1945، اي انه في عمر عمّه مقرن، 68 عاماً.
ـ خالد بن سلطان، نائب وزير الدفاع، ومالك جريدة الحياة، وهو من مواليد 1949 ويبلغ من العمر 64 عاماً.
ـ محمد بن فهد، الذي تولى امارة المنطقة الشرقية لثمان وعشرين سنة (من يناير 1985 وحتى يناير 2013)، وهو من مواليد 1950 ويبلغ من العمر 63 عاماً.
ـ بندر بن سلطان، رئيس الإستخبارات العامة، سفير السعودية في واشنطن سابقاً. وهو من مواليد 1949، ويبلغ من العمر 64 عاماً.

هذه عيّنات أسماء بلغت من الكبر عتيّاً، وهي تحسب على جيل (جديد) او (جيل ثالث)..
هؤلاء يفترض أن لا يتولوا مناصب جديدة، ان اريد تجديد شباب الدولة!!

بوفاة أمير الرياض (سطام)، يتزايد صراع الأمراء لخلافته، من جيلي الأبناء والحفدة، ولكن الأزمة الحقيقة ـ اضافة الى أزمة الخلافة ـ هي أزمة (شرعية النظام). فحتى لو تمّ الوصول الى حلول جذرية او مؤقتة لمسألة وراثة العرش، فإن هناك شعباً بدأ بفتح عينيه على واقع السلطة المهلهل، وعلى واقع الفساد المستشري في العائلة المالكة، وهو يطالب بالتجديد والإصلاح، وإلا فالتغيير الشامل. السؤال كيف سيتعامل الأمراء مع هذه المطالب الشعبية المتصاعدة وغير المسبوقة تاريخياً؟






التوقيع



يحتاج الإنسان إلى سنتين ليتعلم الكلام وخمسين ليتعلم الصمت
إرنست همنغواي
رد مع اقتباس
قديم 01-03-2013, 03:12 PM رقم المشاركة : 72
معلومات العضو
kumait
عضو برونزي

الصورة الرمزية kumait

افتراضي اسرائيل والربيع الكردي

اسرائيل والربيع الكردي
صحف عبرية
2013-02-28

أحدثت الهزة التي تعصف بالشرق الاوسط في أعقاب الربيع العربي تغييرات جغرافية سياسية بعيدة الاثر في منطقتنا. فمن جهة، أدت هذه الى بعض التردي في الميزان الاستراتيجي لاسرائيل، وعمقت هشاشة الاتفاقات التي وقعت مع مصر، الفلسطينيين والاردن. ومن جهة اخرى، فتحت امامها فرصا جديدة، هي تحصيل حاصل لضعف الدول القومية والانهيار المحتمل لاحدى الوحدات السياسية المصطنعة التي صممت بعد الحرب العالمية الاولى.

احد الامثلة البارزة على الدولة القومية في سياق الانهيار هي العراق. فمنذ قيامه لم ينجح العراق في بلورة هوية قومية عراقية شاملة، تجسر الهوة بين القومية العربية والقومية الكردية التي تطلعت الى تقرير المصير. وبدأت التطلعات الكردية تتحقق مع قيام 'اقليم كردستان'، بعد حرب الخليج في 1991، الخطوة التي تسارعت في أعقاب الاجتياح الامريكي للعراق في 2003 والانسحاب منه في 2011. وخلق ضعف الحكم المركزي في بغداد وآثار الربيع العربي وضعا توجد فيه اليوم دولة كردية بحكم الامر الواقع تؤدي مهامها بشكل مستقل في ظل دفع ضريبة لفظية لوحدة العراق الاقليمية. لقد فهم الاكراد بان الاعلان عن اقامة دولة سيجعلهم فقط يصطدمون بدول مجاورة وسيمس بتطلعاتهم على المدى البعيد. ولهذا فقد امتنعوا عن مثل هذه الخطوة الرسمية.

في باقي الدول الثلاثة التي يتواجد فيها الاكراد ايضا، والذين يبلغ عددهم معا اكثر من 30 مليون نسمة، يحدث اليوم 'ربيع كردي' موازٍ لـ 'الربيع العربي'. فالاحداث في سوريا استغلت من الاكراد الذين يسكنون في شمالي الدولة لاقامة حكم ذاتي في منطقتهم الكردية. هذا الحكم الذاتي يعزز علاقاته مع الحكم الذاتي في كردستان العراقية، ويخلق معها تواصلا اقليميا ايضا. وأدت هذه الخطوات بالتوازي الى تشديد ضغوط الاكراد الاتراك لاقامة حكم ذاتي كردي في تركيا، وكذا الاكراد في ايران لا يصمتون.

ويحث الربيع الكردي سياقات التحول الديمقراطي بسرعة اكبر مما في الانظمة الجديدة في المنطقة التي تعتمد على الاسلام السياسي. وتغير هذه التطورات الخريطة الجغرافية السياسية كما عرفناها حتى الان والسؤال المركزي هو كيف ينبغي لاسرائيل أن تستعد حيالها.

على اسرائيل ان تنظر في النقاط التالية:

هل يوجد مجال 'للخروج من العلبة' ومحاولة اقامة علاقات مع القوة الصاعدة في المنطقة، اي الاكراد؟
هل الاكراد أنفسهم معنيون بمثل هذه العلاقة؟
أي تأثير كفيل بان يكون للعلاقات مع الاكراد على علاقات اسرائيل تركيا؟

كيان كردي مستقر ومتين في العراق كفيل بان يشكل ذخرا استراتيجيا صرفا لاسرائيل، ولا سيما عندما يرتبط مثل هذا الكيان بحبله السري بالاكراد في سوريا، في تركيا وفي ايران، ويخلق حضورا عرقيا ذا مغزى يتمتع بتواصل اقليمي. فالاكراد يرون في اسرائيل نموذجا قدوة، وعلى المستوى الشعبي يوجد عطف تجاه اليهود وتجاه اسرائيل، بسبب ما يعتبر شراكة في المصير بين الشعبين اللذين ترفض الدول المحيطة بهما حقهم في دولة خاصة بهم. وأعلن زعماء الاقليم الكردي في العراق غير مرة بان لا مانع من اقامة علاقات مع اسرائيل حين يجد الحكم المركزي من السليم عمل ذلك. وخلف الكواليس يلمحون ايضا بانهم مستعدون لاقامة كل علاقات مع اسرائيل التي تعتبر حليفا طبيعيا في محيط معادٍ للاكراد. ومع ذلك، ففي الاقليم الكردي في العراق توجد مخاوف كبرى من ردود فعل العالم العربي، ولا سيما ايران على اقامة علاقات مع اسرائيل.

الفكرة السائدة في اسرائيل هي أن العلاقات مع الاكراد ستمس بشدة بالعلاقات مع أنقرة. مثل هذا الفهم يتجاهل التغييرات التي وقعت في علاقات تركيا والاكراد وعلاقات تركيا واسرائيل. فقد تحولت تركيا نفسها الى شريان الحياة المركزي، وربما المؤسسة بالفعل لكردستان العراقية. كما أن أنقرة تعمل بكد على حل المشكلة الكردية الداخلية. وعليه فلم يعد هناك مجال للخوف من العلاقات مع الاكراد. فعلاقات تركيا اسرائيل على اي حال توجد في درك أسفل غير مسبوق ولا يبدو في الافق تغيير بعيد الاثر.

فالدعم الذي تعطيه أنقره لحماس، والتي هي منظمة ارهابية بكل معنى الكلمة، والتهجمات التي لا تنتهي على اسرائيل والمس بها في كل محفل دولي يستدعي تأسيس بنية علاقات جديدة تقوم على أساس التماثل والتبادلية. واذا ما وعندما يكون تحسين في العلاقات بيننا وبين تركيا، فان على اسرائيل أن تبقي لنفسها حرية اقامة علاقات مع الاكراد مثلما تقيم تركيا علاقات وثيقة مع الفلسطينيين بل وتظهر كسيدة لحماس.

مرغوب فيه جدا محاولة تحسين العلاقات مع تركيا ولكن يجب الفهم بان التغييرات الواسعة التي حصلت في تركيا تجعل الامر صعبا جدا. فليس الاكراد هم الذين سيشكلون العائق امام تحسين العلاقات واسرائيل يمكنها أن تنزع عنها هذا القيد الذي نبع من الرغبة في الحفاظ على شبكة علاقات سليمة مع الاتراك.

يجدر باسرائيل أن تتبنى سياسة نشطة ترى في الكيان الكردي في شمال العراق وفرعه في سوريا حليفا. وتبني مثل هذه السياسة معناه المساعدة الانسانية، الاقتصادية والسياسية. وبالنسبة للاكراد في تركيا، لا ينبغي لاسرائيل أن تظهر كمن ينبش في الشؤون الداخلية لتركيا ومن جهة اخرى عليها أن تبلور موقفا اخلاقيا بالنسبة للموضوع الكردي. كما أنه لا مانع لان تحث اسرائيل العلاقات مع الاكراد في ايران، الذين يوجدون في مواجهة مع النظام الاسلامي. وللمساعدة الاسرائيلة في مرحلة مبكرة كهذه كفيل بان تكون أهمية في المدى البعيد، وكل ذلك بالطبع على فرض انه يوجد اهتمام كردي لمثل هذه المساعدة. في نظرنا يعد هذا جهدا اسرائيليا جديرا.

عوفرة بنجو وعوديد عيران
' البروفيسورة بنجو هي باحثة في مركز ديان في جامعة تل أبيب؛
د. عيران باحث في مركز بحوث الامن القومي جامعة تل أبيب.
هآرتس 28/2013






التوقيع



يحتاج الإنسان إلى سنتين ليتعلم الكلام وخمسين ليتعلم الصمت
إرنست همنغواي
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الشبكة: أحد مواقع المجموعة الشيعية للإعلام

الساعة الآن: 03:27 AM.

بحسب توقيت النجف الأشرف



Powered by vBulletin 3.8.2 © 2000 - 2014